📁 آخر الأخبار

قصة نخلة الأسحار للكاتب احمد محمود شرقاوي

 قصة نخلة الأسحار للكاتب احمد محمود شرقاوي





فيه واحدة عرافة غجرية بتنزل بلدنا أيام مولد النبي وتفضل تلف على البيوت وتقرأ الكف والفنجان وتتنبأ للناس بالخير وتنصحهم يعملوا ايه في حياتهم، موروث قديم أوي متعارف عليه في النجع بتاعنا بالأخص..



قصة نخلة الأسحار للكاتب احمد محمود شرقاوي


وكل اللي كنا نعرفه عن العرافة دي انها واخدة المهنة وراثة وان العيلة كلها بتورث الشغلانة دي أبا عن جد، وناس كتير في البلد كانوا مؤمنين بيها وبيستنوها من السنة للسنة بفارغ الصبر، وأجواء الاحتفال بالمولد كانت بتبقا خرافية في النجع كمان، زفة المولد دي كنت بتشوف فيها العجب العُجاب, بداية من المشايخ اللي كانوا بيمشوا على السيوف المسنونة ويطيروا في الهوا, لحد السكين اللي كان بيدخل في الجسم ويخرج بدون ما يأذي صاحبه..


وبعدها بتبدأ الدبايح والولايم عشان الناس ياكلوا ويشربوا, وهنا بس تظهر العرافة, الست حُسنية, وكانت بتمنع أي حد يسألها أو يمشي وراها, هي كانت بتتمشى في البلد وتفضل تبص على البيوت, والبيت اللي يعجبها أو تشوف انها تقدر تساعد اهله بتدخله وتتكلم مع أصحابه شوية وبعدين تاخد حاجة غالية من البيت وتمشي, وبدأ المولد في الفترة دي يقرب شوية بشوية, والناس بدأوا يستعدوا في بلدنا على قدمٍ وساق..


وبدأ المولد وبدأت أحداثه المثيرة لكل الناس بلا استثناء, دبايح وزفة وأكل وولايم, وبعدها بدأت تنزل الست حُسنية وتتمشى في البلد, بعض الناس كانوا بيقولوا عنها انها من الجن, بسبب انها بعد المولد كانت بتختفي تماما ومحدش بيعرف هي بتروح فين من الأساس, ومن الصُدف الغريبة إنها وقفت قدام البيت بتاعنا, وبدون مقدمات خبطت علينا وفتحت أختي الباب عشان تتصدم بيها, وسمعت أختي بتصرخ وبتنادي عليا انا وأمي وبتقول:


"الست حُسنية عندنا"


قمنا من قدام الفُرن لأننا كنا بنخبز العيش وجرينا على تحت ولقينا حُسنية جوة البيت بتاعنا ومعاها شوية ودع في ايديها وعمالة تتفحص البيت بعنيها, سلمت عليها أمي بإجلال واحترام كبير وأختي جريت عشان تضايفها بس هي رفضت حتى تشرب المية, وبصت ناحيتي بصة طويلة أوي وقالت:


"انتي هتتجوزي واحد من أعيان البلد, الخير هيجيلك في الأيام اللي جاية دي بس لازم تضحي بحاجة غالية عشانه"


أمي واختي شهقوا من المفاجأة وانا مبقتش عارفة أتلم على أعصابي, ابتسمت بفرحة كبيرة وقلعت السلسلة الدهب اللي كنت واخداها من جدتي واللي تساوي مبلغ كبير وادتهالها, بصت للسلسلة بصة طويلة وقالت:


- هجيلك بكرة واطلب منك حاجة محدش يعرفها غيرك, تعمليها وتستني الخير اللي هيجيكي


وسابت البيت ومشيت, ومقدرتش وقتها اتلم على أعصابي إطلاقا, وقعدت أتخيل الخير الكبير اللي هيجيلي, أكيد عريس غني وهيعيشني في بيت كبير وهشوف العز من صغري بعيد عن فقر ابويا وأمي, عشت طول الليل في عالم كامل من الخيال, كنت عاملة زي البنت الصغيرة اللي بتتخيل نفسها سندريلا وهتقابل الأمير اللي هينقذها من حياتها البائسة..


تاني يوم صحيت بدري أوي وفضلت قاعدم مستنية حُسنية بفارغ الصبر, مستنياها وحاسة بفرحة العيد اللي جاي عشاني انا لوحدي, وعلى بعد العصر خبط الباب من تاني وجريت زي المجنونة عشان أفتح, ولقتها هي حُسنية, دخلت البيت وطلبتني لوحدي في الاوضة, وطلبت مني أكشف شعري قدامها..


وراحت خدت خصلة صغيرة من شعري وطلبت مني أغمض عنيا, وبعد دقايق لقتها ماسكة في ايديها قماشة مبرومة ومربوطة بخيط, ووصفتلي نخلة بعينها في غيط واحد جارنا بينا وبينها تقريبا نصف ساعة مشي, وادتني في ايدي كشاف صغير قالتلي أول ما اجي قدام النخلة دي الكشاف هينور عشان اتأكد انها هي, وقالتلي أربط الخيط ده على جريدة من جريد النخلة وأرجع بيتنا تاني, بشرط محدش من أهلي يعرف إطلاقًا..


وفعلا خدت منها اللفافة المبرومة دي وانا في قمة الحيرة, خايفة ومتوترة ومش عارفة أنا هروح الغيط دي بصفتي ايه, ولو حد شافني هيقول ايه, بس مكنش فيه حل غير إني أروحها, وبدأت أخطط لليوم اللي هروح أعلق فيه اللفافة بالخيط على جريدة النخلة, وطبعا لما أمي واختي حاولوا يعرفوا احنا قولنا ايه في الاوضة لوحدنا رفضت أقول وقولتلهم إن دي تعليمات الست, وهما لما عرفوا كدا سكتوا خالص..


واستنيت تلت أيام لحد ما بدأنا نخبز مرة تانية, ويوم الخبيز ده بالليل بننام زي الأموات من كتر التعب اللي بنشوفه طول النهار, خلصنا على آخر النهار وكنت بحاول أتباطئ في شغلي معاهم عشان مهلكش نفسي لأن لسة معايا مشوار طويل, وعلى الساعة عشرة بالليل كانت أمي واختي ناموا وأبويا طلع يسقي الأرض..


اتلفيت في السواد وطلعت من البيت وانا بتلفت يمين وشمال زي الحرامية, مشيت في البلد اللي كانت في سكون تام لحد ما وصلت للطريق الزراعي, وبحُكم إني كنت بروح الأرض مع أبويا وانا صغيرة فكان سهل أعرف الأرض اللي اتوصفتلي بسهولة..


بس المشي وسط الغيطان مُرعب بالليل, خاصة وانت حرفيا مش شايف قدامك ورجلك عمالة تغرز في الطين, وصوت الديابة عمال يوصلني من الجبل فوق ويزود من رعشة جسمي, ووسط خوفي الكبير ده بدأت أحس ان فيه حد بيحدف عليا طوب, بل وكنت بسمع صوت ارتطام الطوب في الأرض, حسيت بخوف أكبر وقلبي بدأ يدق أكتر, سرعت في خطواتي ووقفت ورا نخلة واستخبيت وكتمت أنفاسي خالص, شوية والدنيا هديت وخرجت وكملت مشي..


نص ساعة من الخوف والقلق والتوتر لحد ما وصلت للأرض المقصودة, والسيء في الموضوع انها كانت مسقية من وقت قريب, يعني عشان تمشي وتدخل فيها هتغرز لحد ما هدومك هتشرب الطين, بس فكرت إني لو خلصت بسرعة هلحق أرجع واغسل هدومي من الطين ومحدش هيحس بحاجة..


هي قالتلي الأرض فيها صف نخل على اليمين, هعد 12 نخلة والنخلة المقصودة هي رقم 13, وفعلا بدأت أمشي في الوحل بصعوبة شديدة, كنت ببذل مجهود خرافي لحد ما بدأت أحس إني هتدفن من كتر ثقل الطين اللي كنت بغرز فيه, وبعد مجهود جبار وصلت للنخلة المقصودة, وقبل ما أخود أنفاسي وعلى ضوء القمر شوفت واحد لابس عمة بيضا وجلابية بيضا وواقف قدام النخلة ومديني ضهره, حسيت برعب من انه يكون من أهل البلد ويعرفني, بس اللي طمني اني كنت مغطية وشي كويس, بصيت ناحيته بخوف, كان واقف ثابت تماما, والغريب إن الجلابية البيضا مكنش عليها أي أثر للطين وكانت بتلمع وسط الضلمة..


قربت من النخلة وانا بدعي ربنا ميبصش ناحيتي, طلعت الكشاف لقيته بينور لوحده, بصيت للنخلة اللي كانت قصيرة ومسكت طرف جريدة وبدأت أربط الخيط فيها, بس اللي لاحظته ان النخلة كلها تقريبا متعلق عليها حاجات زي اللي انا هعلقها دي, كل جريدة وكل حتة في النخلة ملزوق أو مربوط فيها حاجة, وقبل ما أخلص سمعته بيتكلم بصوت طفل صغير وبيقول:


- ايه اللي جابك هنا


اتنفضت مكاني وقولتله:


- جاية البي طلب الست حُسنية

- طيب واللي يجي يعمل مصيبة زي دي يجي بالليل ولا بالنهار


اترعشت أكتر وقلت:


- بالليل عشان محدش يشوفه

- يعني خايفة من نظر الناس ومش خايفة من الخُدام


حسيت وقتها بحرارة غريبة في المكان, اترعشت أكتر وقولتله:


- انت مين

- انا الخادم اللي بينور الكشاف واللي مش حابب يخدم واحدة غبية زيك


وفي اللحظة دي بص ناحيتي, وشوفت واحد وشه سايح تماما كأنه طالع من قلب الزيت, جلده كله مشوه وعين من الاتنين ممسوحة تماما, وشوفت شفايفه مشقوقة بالطول لحد عنيه, صرخت صرخة زلزلت كياني, وجريت, جريت وسط الوحل, بس الجري كان بيخليني أغرز أكتر, ونزلت لحد ركبي في الوحل, حاولت أتحرك بس كانت الحركة أصعب وأصعب, حاولت من تاني بس جسمي كله شبه غرز ومبقتش عارفة أتحرك إطلاقا, سمعته بيتكلم وهو بيقرب مني وبيقول:


- لو عاوزة تتجوزي فانا ممكن اتجوزك بس مش هنا


بصتله فزع عشان يبتسم ويكمل:


- هتجوزك تحت


وحسيت بحاجة بتشدني في قلب الوحل لتحت الأرض, فضلت أصرخ بهيستريا وانا جسمي بينزل فعلا, غرزت لحد صدري تقريبا وبقا طعم الطين في بقي وعلى وشي, الحاجة اللي كانت بتشدني كانت قوية أوي, صرخت أكتر واكتر لحد ما سمعت صوت قوي جاي من بعيد بيقول:


- مين بيصرخ هناك


في اللحظة دي بس اختفى القزم ده واتحررت من القبضة اللي بتشدني, ناديت عليه واترجيته يخرجني من اللي انا فيه ده, وفعلا دخل بالحمار بتاعه وقدر يطلعني وركبني وراه على ضهر الحمار واتحرك فورا..


كنت راكبة وراه وعمالة اتنفض وابكي بفزع, شعري كان واقف وقلبي بيدق بعنف, فضل يهدي فيا وطلب مني أحكيله اللي حصل, وبصوت متوتر بيترعش حكتله الحكاية كلها, الغريب انه بدأ يقولي كلام عجيب أوي, قالي إن الست دي مجرد ساحرة زيها زي كل بتوع الزفة والموالد, وانها بتمارس الخداع بس بطريقة مختلفة شوية..


بما ان كل الناس بيثقوا في كلامها فدي كل اللي بتعمله انها تعرف أخبار أهل البلد وتوفق ما بينهم وتكسب الفلوس, يعني عيلتين متخانقين, تروح هنا وهنا وتقول لده ولده انهم هيتصالحوا, وفعلا يتصالحوا ويفتكروا انها اللي جلبت الخير في حين انها اوهمتهم بس يعملوا اللي هي عاوزاه..


تنزل على بيت بنت فقيرة وتاخد منهم حاجة غالية وتوعدها بجوازة عليها القيمة, وتروح تاني لبيت حد من لأغنياء وتوعده بخير كبير على ايد بنت فقيرة هيتجوزها وتاخد حاجة من أطره, وترجع للبنت الفقيرة بالأطر والحجاب وتطلب منها تعلقه على النخلة والولد المسحور يروح يتجوزها, وهي تفتكر ان الست جابتلها الخير وهو يفتكر نفس الكلام, بس الموضوع كله ألاعيب سحر ووهم وأخبار بتعرفها عن أهل البلد كلهم, في حين انها حتى مش متمكنة وبتسيب الضحية يواجه الجن تحت النخلة لأنها متقدرش تحميه, وخادم السحر كان هيخطفك ورفض يساعدك لولا إني أنقذتك منه في النهاية كان زمانك مش في دنيتنا أصلا..


كنت مستغربة أوي من كلامه, وسألته بدون مقدمات:

- انت مين


في اللحظة دي بس وقعت على الأرض واتألمت أوي, بصيت حوليا ملقتش أي حاجة, كأن الراجل اختفى تماما, كنت وقتها على أول طريق الغيطان, جريت لحد البيت وانا بتنفض, وانا مرعوبة, بس الحادثة دي علمتني كتير أوي أوي, مفيش معجزات ولا عجايب بتحصل في الدنيا غير لما بنلجئ لربنا وندعيله, ده الطريق الوحيد المضمون والحلال واللي مش مؤذي أبدا..


أما انك تحاول تاخد حاجة بالسحر أو الحقد أو النصب أو الفهلوة فانت في النهاية هتتحرق بنار الصفة دي, نار في الدنيا ونار في الآخرة, عشان كدا ربنا دايما بيطلب مننا ندعي باللي احنا عاوزينه وهو وعدنا بالاستجابة بس بحكمته وبالطريقة الأصلح لحياتنا وآخرتنا, أما الدجل والشعوذة فأخرتها دمار رغم إني لحد انهاردة معرفش مين الراجل اللي أنقذني واختفى ده ولكن لعلها دعوة أمي ليل نهار بالستر ليا..


"وقال ربكم ادعوني أستجب لكم"


بقلم: أحمد محمود شرقاوي



تعليقات