أخر الاخبار

حواديت المشرحة بقلم أندرو شريف

 حواديت المشرحة بقلم أندرو شريف


الحب كان دايمًا بالنسبة لي شيء مستحيل، مابحبش انا جو الحبيبة والإرتباط والكلام ده، بطني بتوجعني بمُجرد ما بسمع كلام حلو بيتقال بين راجل وست، فـ كان دايمًا في حاجز بيني وبين فكرة الحب، وبالنسبة للجواز فكنت سايبها على الله، زي ماتيجي.. تيجي، فضِلت كدة سنين طويلة لحد ما فجأة قابلتها.. مريم، كانت ملاك.. ملاك ماشي على الأرض، بقلبها الطيب وروحها الحلوة، ده غير بقى تفكيرها وعقلها الكبير اللي بيخليها تستوعب كلامي وتدور معايا على حلول لمشاكلي، المشاكل اللي كنت دايمًا بحكيلها عنها وهي كانت تسمعني بكل حب، من غير ما تزهق أو تمِل، عشان كدة اقدر اقول إن في اللحظة اللي عرفت فيها مريم، عرفت معنى الحب، وجمال الحب نفسه.



حواديت المشرحة بقلم أندرو شريف
حواديت المشرحة





انا فين؟.. ايه الضلمة دي؟.. كنت نايم وسط ضلمة وبرد شديد، وماكنتش قادر أتحرك، كإني متقيد، أطرافي كلها متلجة، فضلت أنادي على مريم لأنها كانت أخر شخص موجود معايا، ناديت كتير، لكن ماحدش رد، بس سيرتها جابت النور اللي نوّر العتمة مرة تانية، وفجأة شوفت قدامي شخصين، لابسين ابيض لكن متلطخ بالدم، وبيبصوا لبعض بنظرات كلها رعب، حاولت اتحركت ناحيتهم عشان أشوف مين دول؟.. بس لاقيتهم شايلين حاجة في ايديهم بتنقط دم على الأرض، خدوها وخرجوا من باب لونه أسود، وقفلوا الباب وراهم كإن مافيش حد تاني في الأوضة غيرهم، قومت من على الترولي اللي كنت نايم عليه، وساعتها اكتشفت إني عريان، بصيت حواليا يمين وشمال والحمدلله لقيت حاجة البسها، لبست اللبس اللي جه قصادي، بعدها بدأت احاول اعرف انا فين، ويارتني ماعرفت، انا كنت.. كنت في المشرحة!.. ومش في أي حته فيها.. أنا في أوضة التشريح.. وسط الميتين!.



قصتي بدأت لما اتعرفت على مريم، وبدأت الكيميا بنا تمشي، لدرجة إن يومي ماكنش ينفع يعدي من غير ما أسمع صوتها، أو أكلمها، فكانت علاقتنا شبه علاقات الأفلام شوية، العلاقات اللي كلنا بنشوفها ونقول (ياعم هو الكلام ده بجد) لكن أه، كان حقيقي معايا ومع مريم، ويوم خطوبتنا كان اجمل يوم في حياتي، مع مريم.. كنت حاسس إني عايش في الجنة.


بعد ما لبسنا الدبل بأسبوع روحتلها البيت، لإننا كنا متفقين نخرج يومها، وكعادتها خدت وقت طويل عشان تلبس، ووقتها استاذة هناء حماتي طلبت مني أطلع أقعد معاها لحد ما مريم تخلص، طلعت وقعدت في الصالون، اتكلمنا شوية بس بدأت أستاذة هناء تتكلم في موضوع غريب.. ولقتها بتسألني فجأة...


- لو خيروك بين موتك وموت بنتي، تختار مين فيهم؟


رديت بكل تلقائية...


- موتي أنا طبعاً يا طنط، هو حضرتك عندك شك واحد في المية إن حياة مريم أهم مليون مرة من حياتي؟


طبطبت عليا بدراعها وقالت...


- دايمًا بقول إنك بتحبها وخايف على مصلحتها يا أمير يا حبيبي، عشان كدة استغربت انها من امبارح زعلانة، وقولت لنفسي انك مستحيل تزعلها.


- أنا يا طنط!!.. لا لا والله، انا عمري ما فكرت أزعل مريم مني، أكيد في سوء تفاهم ولا حاجة، ده حتى كانت مبسوطة إننا هنخرج النهاردة، وهنروح بالموتوسيكل بتاعتي زي ما هي طلبت، مع إني مابحبهاش تركب الموتوسيكل.


ضربت كف على كف وقالت...


- ولا أنا يابني والله، أنا مش عارفة ايه غيتها في ركوب الموتوسيكلات، ولولا إنها زعلانة كنت رفضت حاجة زي دي، بس أنا واثقة فيك إنك هترجعها كويسة، أنت ابن حلال يا أمير، وأنا بحبك زي ابني اللي ماجيبتوش.


- مريم في عينيا يا طنط ماتقلقيش.


ماكملتش جملتي ولقيت مريم خرجت من اوضتها، كانت زي ملاك نازل من السما، ومتشيكة ولا أكننا رايحين فرح، حتى أستاذة هناء لما شافتها كدة قالتلها...


- اللي يشوفك كدة مايقولش بقالك يومين بتعيطي في الأوضة.


مريم اتكسفت من الكلام، وبصت فى الأرض وهي بتقول...


- انتي قولتيله ليه يا ماما، أنا ماكنتش عايزاه يعرف، كفاية التعب اللي بيتعبه في الشغل.


قومت من مكاني، وقربت منها وأنا باصص في عينيها، وقولت بصوت واطي...


- يا حبيبتي تعبك راحة، ولو ماكنتيش تشاركيني الحاجات اللي زي دي... هتشاركيني ايه يا مريوم يا قمر انتي.


ابتسمت بخجل من غير ما ترد، استاذة هناء قطعت لحظة الصمت وقالت بحزم...


- مش قدامي يا ولاد، ويلا امشوا عشان ماتتاخروش على مشواركم، وزي ماقولتلك يا أمير... مريم في عينيك، وخلي بالك عليها من الزفت اللي أنتوا هتركبوه ده.


- من عينيا يا غالية، هترجعلك معاها حتة.


فضلنا نهزر شوية قبل ما ننزل من البيت، ولما نزلنا وقبل ما تحرك بالمكنة اتطمنت ان كل حاجة تمام، والخوذة بتاعتي اديتهالها خوفا عليها، لكن قبل ماطلع بالمكنة لاقيت شخص واقف قصادي، الغريب إن مريم ماكنتش شايفاه، لأنها كانت مكملة كلام معايا بشكل طبيعي، والشخص اللي واقف قصادي كان مبتسم وبيقول...


- ماظنش إنك عايز تكمل اللي حصل بعد كدة، بالذات إنك السبب... زيك زينا بالظبط.


بلعت ريقي وقولت...


- يعني ايه أنا السبب، وايه اللي حصل بعد كدة؟


- شكل الواقعة كانت شديدة عليك، نسِتك كل اللي حصل.


بعد ماخلص الجملة دي اختفى، وصوت مريم بدأ يعلى في ودني وهي بتطلب مني أطلع بالموتوسيكل، بدل ماحنا واقفين كل ده من غير ما نتحرك، والغريب إن ولأول مرة أحس إن مريم فعلا متضايقة وعصبية بسبب حاجة معينة، حاجة هي مش راضية تقولي عليها، ومجرد ما فكرت التفكير ده سمعت صوت بيهمس في ودني وبيقول...


- ومش هتعرفها دلوقتي يا أمير.


اتلفِت يمين وشمال أشوف مين بيكلمني، وزي ماكنت متوقع مالقتش حد، فاتحركت بسبب زنها عليا، وفي وسط الطريق لاقيت موبايلها بيرن كذه مرة وهي مش راضية ترد، واتعصبت لدرجة إنها كانت هترمي الموبايل في الشارع وقالت...


- أنا مش عارفة ماما عايزة مني ايه دلوقتي، احنا ماكملناش نص ساعة برة.


- اهدي بس، تلاقيها عايزة حاجة مهمة، مش شرط تكون بتطمن عليكي يعني، وبعدين مانتي عارفة.. هي بتخاف من الموتسيكلات، ردي عليها شوفيها عايزة ايه.


اتقمصت من كلامي، وردت عليا وهي متعصبة...


- بقولك ايه.. مش انت عايزني مبسوطة ويفرق معاك زعلي، فكك من التليفون ززود سرعة.


رفضت في أول مرة، لكن بعد زن منها زودت في السرعة، ولسوء حظنا عربية كسرت علينا وخبطتنا، وساعتها اتقلبنا على الأرض، آخر حاجة فاكرها كانت مريم وهي سايحة في دمها قدامي، وعلى الرغم اني حاولت أساعدها، لكن ماقدرتش لإن جسمي كان مدغدغ من الواقعة، وفجأة أغم عليا.


لما فوقت لاقيت نفسي نايم جوة مكان ضلمة والجو برد جدًا، حاولت اتلفت حواليا بس المكان كان ضيق، وسمعت صوت جاي من بعيد، رفعت رقبتي على قد ما اقدر لكن راسي اتخبطت في حاجة، حاولت ابص مرة تانية ووقتها شوفت من بعيد اتنين لابسين لبس دكاترة، وشوفتهم قدامي طالعين برة الأوضة وبيقفلوا الباب وراهم، بعد ماخرجوا زحفت بجسمي لحد ما وصلت لفتحة في اخر المكان اللي انا فيه ده، بعدها طلعت برة، وساعتها اكتشفت إني.. إني في المشرحة، ايوة هي دي المشرحة، كان قدامي ترولي فاضي وعليه دم، وبطول الحيطة تلاجة كبيرة كل فيها ابواب كتير، انا فاكر الشكل ده كويس، لإني دخلت مشرحة قبل كدة، حسيت قلبي هيوقف، انا ايه اللي جابني هنا؟!.. انا مُت؟.. ولا لسه عايش؟.. بدأت احسس على جسمي لكن كل حاجة كانت طبيعية، اومال انا جيت هنا ليه؟.. الجو كان برد جدًا، دورت على أي حاجة البسها ومالقتش غير بالطو مرمي على كرسي مكتب، موجود ورا الترولي، بعدها جريت على الباب وفضلت أرزع عليه بس ماحدش فتح، حسيت نفسي بيتخنق، المكان رغم إنه واسع لكن مٌقبض.. رزعت أكتر على أمل إن حد يفتحلي ومافيش فايدة، قعدت على الأرض والدموع بتنزل من عينيا وحسيت إني هموت بجد، وفجأة سمعت صوت بيقول...


- ماتتعبش نفسك عشان ماحدش هيسمعك، أنت هنا زيك زينا.


بصيت ناحية الصوت، وساعتها شوفت نفس الشخص اللي ظهرلي قدام الموتوسيكل، كان واقف قدامي بس وقبل ما أقول أي حاجة اختفى بنفس الطريقة، كإنه شبح وبيطاردني، وفي لحظة المشهد اتبدل، وأوضة التشريح بقت أوضة في شقة قديمة، حيطانها مكسرة، وكان فيه صوت مزعج زي مايكون في ماية بتنقط من الحيطة، وكان في 3 رجالة قاعدين على ترابيزة بيشربوا بيرة، وواحد منهم اتكلم وقال...


- جرا ايه يابو حميد، مش هنبطل القعدة في المخروبة دي، بيني وبينك كدة الواحد حاسس إن السقف هيوقع عليه وهو قاعد.


رد عليه اللي اسمه أبو حميد وقاله...


- ياعم أقعد كدة وصلي على النبي، أنت فاكر نفسك فين يا صلاح؟.. هو احنا لاقين مطرح تاني نترزع فيه.


- طب واللي يجبلك فكرة لوز اللوز تخلي عندك بدل الشقة اتنين، وياعالم ممكن تكون ڤيلا، أنت وحظك بقى الخزنة هيبقى فيها كام يومها.


واحد فيهم بص لصلاح ده وقاله...


- ليه يابو صلاح، هنسرق بنك ولا ايه؟.


رد عليه صلاح وهو موطي صوته...


- هنسرق يا باهر، بس مش بنك.


رد عليه باهر وهو متوتر...


- يفتح الله يا ابن عمي، الفلوس الحرام حلوة مش هقولك لا، بس نومة البورش وحشة وصعبة أوي، والواحد عنده عيال وولية متلقحة في البيت، ولا ايه يا اسماعيل، ساكت كدة كإنك موافق على الكلام يعني.


اللي اسمه اسماعيل ولع سيجارة، وشد منها نفس ونفخه في الهوا، قبل ما يرد عليه...


- اركن أنت يا باهر دلوقتي، أما نشوف صلاح عنده ايه يقولهولنا، يمكن المصلحة تقضي.


صلاح بص لباهر وهو بيضحك...


- شايف الكلام الموزون يابن خديجة، مش تقولي بيت وعيال، أنت أصلا عارف عيالك في سنة كام، وبعدين المصلحة دي هتفيد كل واحد فينا.


في وسط الحوار اللي كان داير بينهم، شوفت واحد متكوم على جنب، وباين عليه إنه بيشرب سيجارة من إياهم، فرمي الباقي من السيجارة على جنب، وبص لصلاح وهو مغمض عينيه وبيقول بصوت نايم...


- بقولك ايه يابو صلاح، المصلحة دي لو جاي منها قرشين هيكيفوا دماغي اسبوع، فانا جاي مني وقتي.


رد عليه صلاح وهو بيضحك...


- بالله عليك يابو منة ماتفردش صدرك أوي كدة، عشان انا أخاف تيجي معانا ننساك هناك اصلًا.


ضحكوا كلهم، بعدها ابو حميد قال...


- أنا مش عارف لولا المخروبة اللي قاعدين فيها دي كنا هنعمل فيك ايه يابو منة، وانت على طول في غيبوبة.


- فوق الصح يابن عمي، وأنت يا بو صلاح ارمي اللي في عبك، ورسينا على الحكاية.


صلاح طلع ورقة من جيبه، وحطها على الترابيزة قدامهم، وبعدها بدأ يشرحلهم كل حاجة بالتفصيل...


- الحدوتة إن في جمعية بتلم تبرعات لمرضى السرطان، ومراتي شغالة هناك عاملة نضافة، وعرفت منها إنها اجازة يوم الخميس عشان سيستم الكاميرات بيتظبط، وهيفضوا المكان، يعني هندخل ونخرج براحتنا، مش هيعطلنا بس في الموضوع ده غير اتنين أمن هيبقوا واقفين على الخزنة، وأظن حاجة زي كدة هتبقى سهلة عليكوا، ولا ايه يا رجالة؟


رد عليه أبو منة وهو بيولع سيجارة تانية...


- والله يابن عمي حدوتة تستاهل سيجارة من نوع فاخر، ولو كان على الأمن، فدول بتوعي.. أنتوا عارفين كويس أبو منة على ايه.


ابو حميد كان باين عليه إنه مضايق، وقام من على الكرسي وهو مش عاجبه الكلام...


- بقولكوا ايه أنا مش عاجبني الكلام اللي بيتقال ده، وأي حاجة هنعتمد فيها على أبو منة مش هنرجع منها سُلام، لامؤخذة بقى يابو منة، بس كلنا عارفين دماغك واللي بيجي من وراها، فأنا من رأيي لو هنعتمد المصلحة دي، يبقى من غير أبو منة، وحقك محفوظ يا سيدي، كفاية استضافتك لينا في بيتك.


قام صلاح من على الترابيزة ورجع خطوتين لورا، بعدها رفع ايديه الاتنين وقال...


- على خيرة الله يا رجالة.. نقرأ الفاتحة.


في اللحظة دي المشهد اتبدل لمكان تاني، كان زي مايكون شقة كبيرة أو فيلا، مش عارف احدد هو ايه بالظبط، بس لقيت قدامي أبو حميد وباهر قاعدين على الأرض، وحواليهم افراد من الشرطة، من مكاني كنت قادر اشوف اللي جوا المبنى واللي براه، وخدت بالي من صلاح واقف برا بشنطة مليانة فلوس، وعلى الرغم من المسافة اللي بنا إلا إني حسيت إنه واقف جنبي، وسمعته بيقول...


- معلش بقى يابو البهابير أنت وأبو حميد، سامحوني يا رجالة بس الشغل شغل، وانا مابحبش اسيب حاجة للصدف.


بعد الجملة دي طلع سلاح ألي من الشنطة اللي في ايديه، واستنى لحد ما الشرطة طلعت من المبنى ومعاهم باهر وابو حميد، ومن غير رحمة ضرب عليهم نار، وقتل الاتنين، بعدها خد بعضه وهرب، حاولت أساعد في إنقاذهم، بس أنا كنت مُجرد روح، ماقدرش اعمل حاجة غير إني اتفرج على المشهد اللي بيحصل قدامي، فكنت واقف مش عارف أعمل ايه، ولا حتى أخرج من هنا ازاي، لكني شوفت نفس الشخص اللي بيظهرلي في اوقاتي المرعبة، واقف وسط الجثث، كان بيبصلي بدون خوف وسمعته بيقول...



على الرغم من المسافة اللي بنا إلا إني حسيت إنه واقف جنبي، وسمعته بيقول...


-  معلش بقى يابو البهابير أنت وأبو حميد، سامحوني يا رجالة بس الشغل شغل، وانا مابحبش اسيب حاجة للصدف.
بعد الجملة دي طلع سلاح ألي من الشنطة اللي في ايديه، واستنى لحد ما الشرطة طلعت من المبنى ومعاهم باهر وابو حميد، ومن غير رحمة ضرب عليهم نار، وقتل الاتنين، بعدها خد بعضه وهرب، حاولت أساعد في إنقاذهم، بس أنا كنت مُجرد روح، ماقدرش اعمل حاجة غير إني اتفرج على المشهد اللي بيحصل قدامي، فكنت واقف مش عارف أعمل ايه، ولا حتى أخرج من هنا ازاي، لكني شوفت نفس الشخص اللي بيظهرلي في اوقاتي المرعبة، واقف وسط الجثث، كان 
بيبصلي بدون خوف وسمعته بيقول...


-  دي حدوتة من حواديت المشرحة، وأهي روحهم هايمة وسطينا دلوقتي، مستنين حقهم يرجع بعد طعنة غدر جات من أقرب الناس ليهم، لكن في اللي روحة هايمة على ذنب ومستني اللي يخلصله ذنبه...


-  وأنا ايه اللي جابني هنا؟.. وايه الذنب اللي خلى روحي هايمة بالشكل ده؟.
في اللحظة دي حسيت بصدمة، وافتكرت مريم، فصرخت وقولت...


-  مريمَ.. فين مريم؟.. آخر شخص كان معايا قبل الحادثة هي مريم، ومن ساعتها ماشوفتهاش، وعمال أشوف حاجات غريبة.

رد عليا بهدوء خلى دمي يفور...


-  سألت كل الأسئلة، إلا السؤال الوحيد اللي المفروض تسأله،  انت عايش ولا ميت؟.. كل اللي شايفه ده حقيقي ولا مُجرد حلم عايشه في غيبوبة؟.. ومريم، مريم دي حقيقة ولا في خيالك أنت وبس؟.. عامة ماتخافش، وقريب أوي هتعرف الحقيقة.


بخطوة سريعة اتحركت ناحيته، وحاولت أمسك فيه وانا بقول  بصوت عالي...

-  أنت مين؟.. وعايز مني ايه؟.

لحظة ما سألت السؤال ده المكان كله اتغير، ولاقيت نفسي في شقة واسعة، وعفشها كله جديد، واضح من المظهر العام اللي قدامي إن صاحب الشقة شخص مرتاح ماديًا، وفي وسط مانا بستكشف المكان ومُنبهر بالمنظر اللي قصادي، سمعت صوت حد بيتكلم، مشيت ورا مصدر الصوت، لحد ما وصلت أوضة كان بابها مفتوح، دخلت جوة وساعتها شوفت طفل عنده حوالي 12 سنة قاعد على السرير وماسك موبايل في ايده، ولاحظت إنه بيكلم نفسه بصوت واطي وبيقول...
- طب أنا لو اتصلت بيه دلوقتي هيرد عليا؟.. ولا زي كل مرة هيبقى مشغول؟... مش هتفرق بقى، أنا هتصل بيه وخلاص.



خلّص الطفل كلام مع نفسه واتصل بحد، رنة في التانية رد الشخص ده عليه، وقبل ما الطفل ينطق ويطلب اللي محتاجه الشخص قاطعه في الكلام، وقاله بصوت باين عليه الإرهاق الشديد...


- معلش يا أدم يا حبيبي، أنا في الشغل ومشغول زي مانت عارف، فلو محتاج حاجة ضروري قولي، غير كده ياريت نأجل الكلام لحد ما أرجعلك.


رد عليه أدم وهو زعلان..

- بس يا بابا.. أنا.. انا حاسس إن أنا تعبان أوي، وأنت طول الوقت مشغول.


- معلش يا حبيبي، أعمل ايه طيب، الشغل كتير وأنا مش قادر أخد أجازات خالص، بس أوعدك هحاول أستأذن وأجيلك.
قفل الأب السكة قبل حتى ما يسمع رد ابنه على كلامه، اما أدم فشد البطانية من تحت رجليه وغطى جسمه وراسه، بعدها المشهد اتبدل مرة تانية، ولاقيت نفسي واقف في نفس البيت بس المرة دي في الصالة، وسمعت صوت حد بيفتح الباب، وهنا كانت المفاجأة، انا شوفت قدامي نفس الشخص اللي بشوفه في المشرحة!.. هو اللي كان واقف قدامي دلوقتي وجاي ناحيتي، لكنه عدا من جنبي كإني طيف ومشى لحد الأوضة اللي كنت فيها من شوية أوضة آدم، بعدها فتح الباب بهدوء شديد، ودخل الأوضة بَص على أدم من بعيد لقاه نايم، قفل النور والباب وخرج برة الاوضة، وسمعته بيقول لنفسه...
- ما الواد بخير أهو ومافيهوش حاجة، اومال ماله عمال يزن عليا ليه؟.. خلاني اسيب اللي في ايدي وارجع بدري.
استغربت تصرفه، وبصيت عليه لحد ما دخل أوضته وقفل الباب عليه، وساعتها مشيت ناحية أوضة ادم وفتحت الباب، لقيته لسه صاحي، قربت منه ووقتها شوفت الدموع في عينيه، ومن الحزن اللي كان حاسس بيه قال...



- هو ليه ماسألش عليا؟.. ولا حتى دخل الأوضة عشان يتطمن ويشوف مالي.. هو أنا مش ابنه، ولا الشغل ده أهم مني عنده.


كنت واقف بتفرج عليه وأنا ساكت، مش عارف أقول ايه، بس كان نفسي احضنه، لكن للأسف وزي كل مرة المشهد اتغير في لحظة.


المرة دي كنت في نفس الأوضة، والجديد إن أدم كان صاحي وقاعد على السرير، كان ماسك بطنه وعمال يتألم، ولقيته مسك الموبايل بتاعه وهو متردد، تقريبًا كان عايز يتصل بأبوه، قربت منه وحسيت نفسي عايز اتكلم معاه واقوله اتصل بيه، ده ابوك وحقك عليه إنه يبقى جنبك وقت تعبك، بس ماقدرتش اقوله أي حاجة، اما ادم فالألم اشتد عليه، وساعتها خد القرار واتصل بأبوه، وأول ما رد عليه قال آدم بصوت ضعيف...



- الحقني يا بابا، أنا تعبان أوي.. عشان خاطري تعالى دلوقتي وديني للدكتور.

رد عليه أبوه بنبرة قلق وخوف...


- مال صوتك يا حبيبي، مانت كنت كويس ايه اللي جرالك؟.


- بطني بتتقطع ومش قادر أتحرك من مكاني.

- ماتقلقش.. أنا مسافة السكة وهكون عندك، المهم أنت امسك نفسك واسترجل كده ها، أبوك جايلك.


- بسرعة يا بابا، أنا مش قادر أستحمل أكتر من كدة.


في غمضة عين لاقيت نفسي في المكتب عند الأب، كان ماسك الموبايل بيكلم أدم وهو مرعوب، وبمجرد ما قفل معاه السكة حد من الموظفين اللي معاه في المكتب قاله...


- ايه يا حسين، مالك.. وشك مخطوف كده ليه؟
رد عليه حسين بتوتر وهو قايم من مكانه...


- آدم تعبان أوي ولازم أمشي دلوقتي، ولو حد سأل عليا قولهم زي ما قولتلك كدة، أنا ماعنديش وقت أخد إذن.
في اللحظة دي المشهد اتبدل مرة تالتة، كنت واقف في الأوضة وأدم ماسك بطنه مش قادر يتحرك، لكن الروح ردتله أول ما سمع باب الشقة بيتفتح، قام من مكانه بصعوبة، وفضل يسند بإيده الشمال على كل حاجة يقابلها لحد ما طلع برة، وكانت الصدمة لما أدم لقى تلاتة حرامية مُسلحين داخلين يسرقوا الشقة، وقف مكانه مبرق لثواني، وبعدها قال بصوت طفولي... 


- انتوا مين؟


للأسف الرد اللي وصل ماكنش الرد اللي آدم مستنيه، رصاصة خرجت من مسدس واحد في التلاتة واستقرت في صدر آدم، آدم اللي وقع على الأرض وهو بيصرخ من الألم، بعدها التلاتة جريوا على جوة، وواحد منهم وطى بص عليه قبل ما يدخل ورا الاتنين التانيين، جريت على آدم وحاولت المسه بس ماكنش ينفع، حسيت قلبي هيتخلع من مكانه، عايز الحقه، وعايز امسك الموبايل بتاعه واتصل بأبوه، ماينفعش آدم يموت، كنت شايفه قدامي وهو بيطلع في الروح، مش عارف أبوه اتأخر كدة ليه؟.. سمعت صوت الحرامية وهم بيقلبوا في الأوض، بصيت على الباب ومستنيه يتفتح في أي لحظة، وأخيرًا اتفتح، والأب وصل، وأول ما دخل وشاف آدم واقع على الأرض جري عليه وخده في حضنه...


- آدم حبيبي.. ايه اللي حصل.


بصله آدم بصة مليانة حب وقال بصوت ضعيف...


- بابا.. أنا.. انا.. بـ حـ.. بـك أوي.


كنت شايف الدموع نازلة على خد الأب اللي عينه ماتشالتش من على آدم ثانية واحدة، وسمعته بيقوله بدموع...



- وانا كمان بحبك أوي يا آدم.. قوم ياحبيبي.. قوم نروح للدكتور.. آدم.. قوم يا آدم.. عشان خاطري قوم، صدقني مش هسيبك تاني أبدًا.. وهفضل جنبك، مش هتأخر في الشغل لحد بالليل.. آدم انت سامعني.. قوم يا آدم.. آدم.. لا.. لا، عشان خاطري بلاش.. بلاش تسيبني، انا ماليش غيرك.


للأسف آدم مات، وكل الكلام اللي قاله مش هيرجعه، وفي اللحظة دي سمعت صوت خبطة جامدة جاية من جوة، وساعتها رفع الأب راسه وبص ناحية الصوت، بعدها رجع راس آدم على الأرض بهدوء، قبل ما يقوم وعلى وشه علامات الغضب ودخل جوة الأوضة، بس مافيش ثواني وسمعت صوت ضرب نار، وبعدها شوفت التلاتة وهم خارجين يجروا من جوة الأوضة، لحد ما وصلوا لباب الشقة هربوا وقفلوا الباب وراهم، مشيت بخطوات تقيلة لحد باب الأوضة، وأول ما وقفت على الباب شوفته، كان واقع على الأرض والدم حواليه في كل حتة، حاول يزحف على بطنه لحد باب الأوضة، وكان بينطق كلمة واحدة بس "آدم" دي كانت آخرؤ كلمة نطقها قبل ما يموت.



المشهد اتبدل مرة تانية والمرة دي رجعت المشرحة تاني، ولقيت حسين واقف قدامي، والحزن باين في عينيه، جريت عليه وانا ببصله بغضب...



-  إزاي؟.. إزاي تسيب ابنك لوجده  كدة؟.. مش قادر اتخيل إنك قدرت تعمل فيه كدة.. إزاي جالك قلب؟.


-  عشان غبي.. كنت فاكر إن ابني هيبقى راجل يُعتمد عليه، وإن كل اللي كان بيعمله في الأول ده مُجرد دلع، لكن لما التعب اشتد عليه جيتله على طول، قلبي ماستحملش أسمع صوته تعبان لحظة واحدة، بس بعد ايه.
ضحكت بسخرية وانا بقوله...



-  احنا كدة لازم الحاجة تروح من ايدينا عشان نبدأ نفوق ونحس بقيمتها، كان ممكن تعمل كل اللي قولتهوله وهو عايش، ماكنش لازم يضرب بالنار ويموت بين ايديك عشان تفضيله وقت من وقتك، وتبقى جنبه، ماكنش لازم يموت عشان لما يتعب تحس به. 


-  الموضوع مش زي مانت فاهم.. انا من ساعة ما نانسي مراتي ماتت وحياتي متلخبطة، ماكنتش قادر أوفق بين كل حاجة، والمسؤولية كلها اترمت عليا، انا قصرت ومعترف بكده، بس غصب عني، ما انا لو قعدت جنبه، مش هقدر اكله احسن اكل والبسه احسن لبس واعلمه احسن علام، وفي نفس الوقت ماكنتش قادر اوفق بين شغلي والبيت، بس اديني اهو من ساعة اللي حصل وانا عايش بالذنب، وبندم على كل لحظة قضيتها بعيد عنه.


- الذنب.. انت قولت إن الذنب هو اللي بيجمعكوا هنا.. ذنب احمد وباهر وعرفته، وذنبك انت كمان عرفته، لكن انا ذنبي ايه؟.. انا ليه موجود هنا؟.. أنا أخر حاجة فاكرها كانت الحادثة، ومن بعدها لاقيت نفسي هنا وسط حواديتكوا، وأنت مش راضي تفهمني حاجة، ومريم.. فين مريم؟.. من ساعة ما جيت هنا وأنا مش لاقيها، هي مريم....



-  ماتت، بس مش ده المهم، ومش ده السبب اللي مخليك واقف معايا لحد دلوقتي، لأنك كدة كدة هتعيش معانا هنا، ده لو حابب تشوفها، اصل الشرط الوحيد عشان تشوفها، هو إنك تموت زيها.


لسه كنت هقاطعه وأنا متعصب، لكنه وقفني وكمل كلام...


-  عارف هتقول ايه لأنه سؤال بديهي... السبب ورا إنك قادر تشوفني وتشوف حوادتنيا، هو وضع الاختيار في انك تسلم روحك وتيجي تشوفنا كلنا وتكمل حوادتنا، والأهم من كل ده إنك تشوف حبيبتك، يا كدة.. يا مُهلتك هتخلص، والدكاترة هيجوا يكتشفوا الحقيقة.


-  أكيد أنا بحلم، وكل اللي بيحصل ده مش حقيقي، هي أحلامي كدة، أوقات بتبقى غريبة شوية.


-  لا ده مش حلم يا أمير، واللي بيربطك بينا هو احساسك بالذنب ورا موت مريم، لأنك عارف كويس إنها كانت هتبقى لسه عايشة لو ماكنتش سمعت كلامها، ودلوقتي القرار في ايدك مش في ايد حد تاني، هتكمل حياتك بذنبها، ولا تمسك المشرط ده وتكمل معاها اللي بدأته.


حسين اداني مشرط من على ترابيزة التشريح، ولما مسكته منه فكرت في اللي هيحصل بعد كدة، وهل هستخدمه، ولا هشوف طريقي في مكان تاني، في اللحظة دي احساس الذنب زاد عندي، كنت خايف من ردة فعل حماتي بعد ما تعرف إن بنتها ماتت، وفي نفس الوقت كنت خايف من احساس إني مش هشوف مريم تاني، وهي الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتي، خصوصًا إن أهلي ماتوا وهي بقت كل أهلي، وفي وسط تفكيري فوقت على صوت ضحكت حسين، بصيتله باستغراب وحسيت كإنه سامع اللي بيدور جوايا دلوقتي...


-  مشكلتك يا أمير إنك غلبان، وحطيت الأمل اللي عندك في مريم، وإنها الشخص اللي يستاهل إنك تكون جنبها، لكنك ماتعرفش خبايا الموضوع.


بمجرد ما حسين خلص جملته، لاقيت المكان في المشرحة اتبدل، والمشرط اختفى من ايدي، وبقيت واقف في بيت مريم، اللي كانت قدامي وماسكة موبايلها، والدموع نازلة من عينيها، كإن في مصيبة حصلت، عشان كدة قربت منها، وحاولت أتطمن عليها، بس أنا كنت مجرد طيف بيحوم حواليها، وده مشهد بيتعاد قدامي، ومن غير ما اتعب نفسي وأسأل، لاقيتها فتحت فويس على الموبايل، واللي كان بيتكلم راجل وبيقول...



-  انتي ولا حاجة يا مريم، جريتي ورايا كتير عشان مظهرك العام يتحسن، لكن لا أنتي ولا عيلتك تقدروا عليا، وحتت الواد الهلفوت اللي اتخطبتيله عشان تغظيني به، انسي إنه يضايقني، خلاص لعبتك بقت مكشوفة، وأسلوبك الرخيص بقى أوضح من نور الشمس، عشان كدة ماتتصليش بيا تاني، والمعروف اللي هعملوا فيكي إني مش هقول حاجة لخطيبك عن اللي رسمتيه في خيالك، وهسيبك تفرحي معاه شوية، لحد ما هو يكتشف حقيقتك بنفسه.


بعد ما الريكورد خلص، مريم كانت واقفة مصدومة، والدموع كانت بتنزل من عينيها وهي بصة على الموبايل وبتقلب فيه، وبعد دقايق مسحت دموعها وخدت نفس عميق قبل ما ترفع الموبايل على ودنها، وقالت بابتسامة مصطنعة كنت دايمًا بصدقها...


- أمير يحبيبي، بقولك ايه أنا زهقانة شوية، ماتيجي نخرج بكرة نروح أي حته بالموتوسيكل، أنا عايزة أتفسح بيه، بعدها نروح المكان اللي بحبه.


وطبعا زي الأهبل رديت عليها بكل لهفة...


-  طبعا يا حبيبتي، بكرة هخلص شغل وأعدي عليكي، بس ألاقيكي جاهزة عشان نتحرك على طول.. مش لازم استنى ساعتين زي كل مرة.


عدى اليوم في غمضة عين، وتاني يوم لاقيتها طالعة من اوضتها متشيكة، وبعدين كل اللي حصل ليلتها اتكرر زي ماحكيتهولك في الأول، بعدها المشهد اتبدل ورجعت المشرحة مرة تانية وسط الجثث، والمشرط كان لسه في ايدي، وماكنش قدامي حل غير إني اخد قراري الأخير، ومن غير تفكير فضلت أدور على التلاجة اللي مريم موجودة فيها، لحد ما لاقيتها من غير مجهود، لأنها التلاجة الوحيدة اللي كانت مفتوحة قدامي، قربت منها ببطء، لحد ما بقت جثتها في وشي، كانت مغمضة عينيها، وريحة الموت فايحة منها، حطيت المشرط على رقبتها، وفكرت لدقيقة إني امشيه وادبحها، بس ليه؟.. ليه اضيع مستقبلي عشان واحدة خاينة زي دي؟.. هي كدة كدة خدت جزائها في الدنيا وربنا ريحني من شرها، ولسه هتاخد جزائها في الاخرة، اما انا فربنا كتبلي عمر جديد، ماينفعش أبدًا اضيعه على واحدة زي دي.. 


لفيت ورايا لقيت حسين واقف في زاوية الأوضة بيبصلي وبيهز دماغه كإنه بيأكد على قراري، وبعد ثواني اختفى، حاولت اجمع قوتي وقومت أدور على أي حاجة تساعدني في الخروج من هنا، ماكنش قدامي غير اني أصرخ بصوت عالي يمكن حد يسمعني، وبعد مدة مش قادر أحدد هي قد ايه بالضبط باب المشرحة اتفتح، وسط ذهول ورعب من الدكاترة، كانوا فاكرني شبح، بس بعد كدة عرفت .


إن مريم ماتت في الحادثة، اما أنا فكان لسه فيا الروح، وكنت في غيبوبة بسيطة... بس للأسف وبسبب خطأ طبي افتكروني مُت ونقلوني المشرحة مع مريم، وبسبب الصدفة الدكتور فتح باب التلاجة اللي انا كنت فيها ونساه مفتوح وعشان كدة قدرت اخرج من التلاجة، لكن الغلطة دي كشفتلي حاجات كتير، والليلة اللي قضيتها في المشرحة خلتني اراجع حساباتي في حاجات ماكنتش واخد بالي منها، لكن هتفضل امنيتي الوحيدة هي اني مادخلش المكان ده تاني طول حياتي اما حسين فكان بيظهرلي كل فترة يتطمن عليا، ويقولي جملة بقت بتتكرر كتير في ودني...

- أنا مستنيك يا أمير.

تمت..




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-