قصة المعددة بقلم لمياء الكاتب

قصة المعددة بقلم لمياء الكاتب

 


بعد ما خلصت شغل البيت طلعت على السطح، اهو.. بسلي نفسي وبتفرج على الزرع والجناين اللي حوالينا، او افكر في اي حاجة اعملها املى بيها فراغي، ما هو من وقت ما خدت شهادة الدبلوم، وانا قاعدة في البيت لا شغلة ولا مشغلة، ومن وقتها مفيش على لسان امي كل ما تشوفني غير جُملة.. "ربنا يرزقك بابن الحلال".. بس انا نفسي اقنعها ان كل شئ نصيب، الحياة نصيب والعيشة نصيب، وحتى الموت كمان نصيب وقدر.. وبعدين انا الوقت اللي بقضيه مع نفسي اتأمل وافكر، اجمل وقت بيريح اعصابي.. وفي يوم كالعادة وانا سرحانة في ملكوت ربنا، سمعت صوت ميكروفون الجامع اللي جنب البيت بيتفتح، فاستغربت.. ده لا وقت أذان ضهر ولا حتى عصر، بس استغرابي ماطولش لأن امام الجامع اتكلم وقال:




قصة,قصة من الواقع,قصة البطة القبيحة,قصة اطفال,قصة حقيقية,قصة فيلم,العاب بنات,العاب اطفال,قصة للمراهق,العاب اطفال سيارات,قصة ما قبل النوم،,افلام قصيرة معبرة,العاب سيارات,الخاتم السحري,العاب بنات اميرات,العاب,العاب العاب,راتب الملك,العاب للأطفال,العاب اطفال صغار,العاب اطفال اولاد,افلام قصيرة,العاب اطفال يلعبون,مالك مكتبي حلقات كاملة,عيادة المدرسة,حلقات المقنعون الصغار الكاملة,افلام قصيرة حزينة,قناة مالك مكتبي الرسمية,راتبقصص






-لا اله الا الله، ما دايم الا وجه الله.



وكمل كلامه بإن واحد من اهل البلد مات، وبيعلن عن ميعاد دفنته، واتفاجئت باسم المتوفي إنه واحد من العيلة، في اللحظة دي سمعت صوت صرخات وعويل كانت جاية من ناحية بيت الراجل اللي مات، ومن الناحية التانية، سمعت صوت امي بتنده عليا:


-يا زينب، انزلي بسرعة عاوزاكي.


نزلت الدور الارضي، كانت امي واقفة ومتغطية باللون الاسود، بصت لي وقالت:


-عاوزاكي في دقايق تجهزي، البسي عبايتك السودة وغطي شعرك عشان تروحي معايا.


لمحت بطرف عيني جدتي "جابرية".. كانت قاعدة في زاوية الصالة ماسكة سبحتها في ايدها وبتستغفر، فرديت على امي وانا ببص على ستي:



-حاضر هجهز بسرعة، طيب وستي جابرية، مش هتروح معانا برضه كالعادة؟! 



رفعت ستي وشها ناحيتي، كانت بتبص لي بنظرات فاضية وغريبة مالهاش تفسير، وتقريبا هي  نفس النظرات اللي بلمحها كل مرة بيكون فيه واجب عزا، وده في العموم سواء الميت غريب او حتى قريب، وبرغم من اني عارفة إن هسمع نفس الرد، بس برضه كررت السؤال لامي اللي كان ردها:



-اعملي اللي قولت لك عليه، ومالكيش دعوة بستك جابرية.


-بس اللي مات ده جدي صالح، جوز اختها الله يرحمهم هم الاتنين.


ردت امي عليا وهي بتتنهد بضيق:


-يا بت بلاش غلبة ووجع قلب، اخلصي عشان نقضي الواجب ونرجع لستك بسرعة. 


لحظة ما خلصت امي كلامها، اصوات صراخ الستات شق الشارع، لحد مادخل بيتنا، وقتها لاحظت على ستي التوتر، ملامحها بدأت تتغير للضيق والحزن، وشوفت صوابع ايديها اللي اتكرمشت بسبب كبر سنها، تبتت على حبات السبحة، بقت بتضغط عليها بتوتر، حسيت انها بتحاول تستمد منها قوة تحميها من حاجة خطرت في بالها، لدرجة أن صوتها علي وبقى بنفس مستوى صوت الصرخات، زي ما تكون عاوزة تمحي صوت العويل اللي سمعاه، ووسط صوتها اللي بيعلى بالاستغفار والتسبيح، وهي مافيش على لسانها غير "استغفر الله، استغفر الله".. فجأة قطعت استغفارها وقالت بعصبية:



-اخلصي انتي وبنتك وشوفوا رايحين فين، واقفلي باب البيت وراكوا وانتوا خارجين.


والموقف ده كان بيتكرر قصادي كل ما بنيجي رايحين واجب عزا، ساعتها قربت من امي وقولتلها وانا بهمس:


-نفسي افهم مالها، هي متضايقة من حاجة؟


خبطتني في دراعي وماردتش على سؤالي، فخدتها من قصيرها بدل ما الحكاية تقلب بمشكلة كبيرة انا في غنى عنها.. جهزت بسرعة زي ما امي طلبت مني، وخرجت انا وهي عشان نروح نعزي، كان بيت جدي صالح فاضي، وتقريبا ده بسبب ان الجنازة طلعت وراحوا المقابر يدفنوه، قعدت امي وشدتني من ايدي بضيق:


-بسبب دلعك واسئلتك اللي ما بتخلصش، مالحقناش الجنازة.


رديت عليها وانا بحاول اقدم تبرير يهديها:


-والله كان قصدي اطمن على ستي، وعلى العموم واجب العزا وهيتقضي، مش مهم يعني نروح المقابر.


سكتت امي ولو انها مااقتنعتش بكلامي، بس المهم عندي انها سكتت وماطولتش في اللوم والعتاب، وبعد كده فضلنا قاعدين اكتر من نص ساعة، لحد ما سمعنا اصوات ناس كتير جاية ناحية البيت، ثواني ودخلوا ستات كتير والسواد مغطيهم، معظمهم من قرايبنا وقرايب جدي صالح اللي مات، قعدوا الستات واترصوا جنب بعض، وبعد دخولهم قامت امي تعزي بنات الراجل اللي مات وتواسيهم، اما انا كنت مجرد متفرجة، وبحكم اني بنت صغيرة فمحدش هيلوم عليا لو ما عملتش زي امي، يعني اني اقوم من مكاني والف على واحدة واحدة من اللي قاعدين، مش هيفرق معاهم اصلا، وده اللي كان مخليني مترددة اجي مع امي، انا عارفة إن وجودي زي عدمه، بس لو كُنت رفضت اني اجي، كانت هتبقى مشكلة وخناقة مش هتخلص بسهولة.. وفي وسط القعدة، ضيعت الوقت اللي قعداه في التركيز على الوشوش والملامح المتغيرة اللي بتبكي بحرقة عشان افتكرت حد عزيز مات عندها، ومنظر الجنازة وذكرى الموت قلب عليها حزنها، واللي قاعدين جنب بعض وهاتك يا رغي، يعني الحكاية في الاخر بتخلص على ان فراق الميت ما بيتوجعش بيه غير اهله، اما الباقين بالنسبة لهم مجرد واجب وبيتقضي، حتى صوت الصراخ اللي كنا سامعينه وقف خالص، مفيش غير صوت بكا بنات الميت وحزنهم على ابوهم، قطع سرحاني صوت ست عجوزة، كانت واحدة من قرايبنا انا عارفاها، اتكلمت بصوت يادوب مسموع وقالت:


-جنازة باردة، وكأن اللي مات ماكنش عزيز ولا غالي، فين ايامها.. كانت تحمي الجنازة وصوتها يوصل للسما.


ردت عليها واحده من اللي قاعدين:


-الميت كان غالي يا حجة "بدرية".. واللي بتحكي عليه مش اكتر من ذنوب بتتشال، وعذاب بيتنقل للميت جوه قبره، وهي عرفت غلطها وربنا نَور بصيرتها، وخافت من عذاب الاخرة وبطلت.



ماردتش عليها الست العجوزة، بس لفت وشها ناحيتي وضيقت عينها :


-انتي يابت يا صغيرة، مش انتي برضه زينب بنت ابن جابرية؟


لفيت وشي ناحية امي اللي ردت على الست:


-ايوه هي يا خالة بدرية، بس بنتي مابتخرجش من البيت كتير، فقليل اللي يعرفها من اهل البلد.


-بس دي كلها جابرية، يااه.. فين ايامها!


قاطعت امي كلام الست لما خبطتني على رجلي عشان اقوم، قامت امي من مكانها وقومت وراها من غير ما انطق، قربت من اهل الميت وعملت الواجب قبل ما نمشي، وطول الطريق وانا نفسي افهم الست دي كانت بتلمح لأيه، كُنت بفكر اسأل امي، بس عارفة انها مش هتجاوبني باللي انا عاوزاه، فسكتت احسن.. وفضلنا ساكتين لحد ما وصلنا البيت، زبعد ما دخلنا، بصيت على المكان اللي بتقعد فيه ستي، بس ما كانتش موجودة.. فدخلت لها اوضتها اطمن عليها، شوفتها قاعدة ومتربعة قصاد صندوق قديم جداً مركون عندها في ركن من اركان الاوضة، بس الغريب إنها كانت فاتحة الصندوق وبتعيط، كانت بتبكي بحرقة وهي ماسكة حاجة في ايدها، قربت منها اكتر وبخطوات مسموعة، بس هي ماكانتش سمعاني ولا حتى سمعت صوت الباب وهو بيتفتح، كأنها كانت في دنيا تانية غير دنيتنا، فمكنش قصادي غير اني انده عليها:


-ستي، يا ستي جابرية.


كانت مستمرة في بكاها لدرجة ان صوتها بدأ يتغير من شدة البُكا، صعبت عليا، ف قربت اكتر ووقفت جنبها، كانت مخرجة من الصندوق هدوم، لبس موضته قديمة، كانوا بيلبسوه ستات البلد زمان، بس ده انقرض وانتهى زمنه، بصيتلها باستغراب وسألت نفسي " ليه ستي محتفظة بالهدوم دي؟.. وليه ماسكاها وبتعيطي كده؟".. لكن الاغرب بقى اني اول مرة اشوف اللي جوه الصندوق، هي كانت مانعاني ومانعة اي حد يقرب من الصندوق ده، ولو فكرت اكلمها واسألها عنه كانت بتزعق لي وتمنعني من اني افتحه او اروح ناحيته.. قربت منها اكتر وقعدت جنبها وحطيت ايدي على كتفها وسألتها:


-مالك يا ستي، بتبكي ليه؟


لفت وشها ناحيتي بذعر، كان واضح على وشها ان وجودي فاجئها، وكمان غير مرغوب فيه، مسحت بكمها عنيها وحطت الهدوم جوة السحارة وردت عليها بصوت مهزوز:



-ايه اللي دخلك هنا يا زينب، مش واجب تخبطي على الباب وتستأذني.

رديت عليها وانا بنفي التهمة عن نفسي:



-والله يا ستي خبطت، وندهت عليكي اكتر من مرة، بس انتي ما سمعتنيش، مش هتقوليلي بتعيطي ليه وهدوم مين دي يا ستي؟.. دي هدوم قديمة. 



لفت انتباهي ان الهدوم متبهدلة ومليانة طين وتراب، زاد استغرابي اكتر ورجعت كررت اسألتي، وساعتها ردت عليا بضيق:

-ماتدخليش في اللي مايخصكيش يا زينب، روحي شوفي امك بتعمل ايه. 



وبدون مقدمات رجعت تبكي تاني، حطت ايدها على الارض وفضلت تحسس بكفها وكأنها بتدور على حاجة!

-بتدوري على ايه يا ستي؟ 



قالتلي بصوت مخنوق:



-على سبحتي، مش عارفة حطتها فين. 



دورت معاها في المكان اللي كانت قاعدة فيه، لحد ما مالمحتها على طرف السحارة، كانت موجودة على جلابية شكلها مختلف عن باقي الهدوم، بس اختلافها كان اختلاف لون مش شكل.. بس الجلابية هي كمان كانت قديمة، شكل الجلاليب اللي كانوا بيلبسوها البنات زمان وماحدش في وقتنا بقى بيلبسها، ده غير لونها، تقريبا هي الوحيدة اللي ماكانش لونها اسود، دي كان لونها اخضر غامق.. شديت السبحة ومعاها الجلابية، واول ما ستي شافت الجلابية في ايدي وشها اتغير، وقبل ما تتعصب لحقتها ومديت ايدي بالجلابية ناحيتها:


-هي الجلابية دي بتاعت مين يا ستي؟ 


كانت بتجاهد تفتح عينيها اللي قفلوا من العياط، بصت لي بقلق وبدون مقدمات شدت مني الجلابية:

-مالكيش دعوة بتاعت مين، وقومي يلا روحي شوفي امك لتكون عاوزة منك حاجة. 



وبعد ما خلصت كلامها، شميت ريحة شياط قوية ملت الاوضة، ريحة حاجة بتتحرق، بس مش اي ريحة.. ده شياط بلاستيك محطوط على النار، او ريحة لحم بيتشوي، وفجأة صرخت جدتي صرخة مكتومة، وحدفت السبحة من ايدها، وفردت ايدها اللي كانت ماسكة السبحة، ومع اللي حصل ده لمحت على كف ايدها دواير حمرة شبه الحرق، قربت منها ومسكت ايدها، لكنها سحبتها مني وقفلتها، كان عندي فضول اعرف ايه اللي حصل، وفي لحظة خطر في بالي امسك سبحتها، ايه سبب الخاطر ده؟! ما اعرفش.. وفعلا مسكت السبحة وفضلت اقلب فيها على كف ايدي، بس ماكنش في حاجة.. سبحة عادية وملمسها بارد، مافيهاش اللي يضر ايد ستي بالشكل ده.



في اللحظة دي لمحت عيون ستي بتتابعني وانا حاطة السبحة في كفي، رجعت لورا وسندت ضهرها على الحيط، وفجأة باب اوضتها اللي كان موارب خبط، لفيت وشي ناحيته، كانت أمي اللي بصت علينا ووجهت لي الكلام بضيق:


-مش قولتلك اكتر من مرة وحذرتك بلاش تضايقي ستك. 



عيونها جحظت لبره لما شافت الصندوق مفتوح، وعلامات الاندهاش رسمت على وشها علامة استفهام، وطبعا التساؤلات اللي كانت بتدورفي عقلها، مش متوجهة ليا، اكيد كانت لستي، ودي حاجة لقطتها جدتي بسهولة، فردت عليها من قبل ما تسأل وتستفسر عن اللي بيحصل، وقالت لها وهي بتشاور بأيدها:


-الذنب كبير يا ام زينب، انا بحاول اكفر عنه قبل ما اروح له، وعارفة انه مش هيخذلني، سيبي بنتك معايا شوية، واخرجي انتي شوفي اللي بتعمليه، واقفلي الباب وراكي. 


وفعلا.. بدون ما تعلق امي على كلام ستي، وكأنها عارفة تقصد ايه بكلامها، عملت كل اللي طلبته منها، وبعد ما اتقفل علينا باب اوضتها، لفت وشها ناحيتي، وقتها لمحت كف ايدها، كانت الدواير الحمرا اللي على كفوفها بدأت تختفي، ودي حاجة صابتني بالذهول، دايرة ودوامة حيرة وقعت فيها، واسئلة كتير جوه عقلي بتلف في الدايرة دي، بس خلاص.. واضح ان الدايرة هتتفك، وده اكيد بعد اللي قالته ستي لأمي، وكلامها ده شجعني ابدأ كلامي معاها:


-هرتب لك  الهدوم في السحارة يا ستي. 


ردت عليا بصوت حزين ومهموم:

-سيبيهم يا زينب، خلي كل حاجة مكانها.



مدت ايدها ناحية الجلابية الملونة ومسكتها:


-يا ويل اللي يعرف إن طريقه اخرته نار قايدة ويكمل فيه.. من سنين كتير يمكن من قد سنك مرتين، كنت محبوبة من كل بنات البلد اللي في سني، مافيش فرح غير لما اروح واهني، بس مباركتي كانت مختلفة، كانوا البنات يمسكوني الطبلة في ايدي ويتجمعوا حواليا، وبصوتي اللي كان الكل بيشهدوا إنه مافيش اجمل منه، اغني وهم يردوا عليا، حتى بعد جوازي من جدك، ما كنش بيمنعني من الواجب، لأنه كان عارف ان دي غيتي وحاجة بحبها وبهواها، وده كان اخري.. بس ماحدش يعرف النصيب مخبي ايه. 


وفي يوم باب البيت خبط، فتحته وكانت واحدة جارتي ومعاها ست غريبة ما اعرفهاش، شكلها مش من اهل البلد، رحبت بيهم ودخلت البيت، وساعتها بدات جارتي بالكلام:


-انا عاوزاكي في خدمة ياجابرية، الناس كلها في البلد تشهد إن مافيش اجمل من اغانيكي، وماحدش بيحلي الفرح قدك، ولما حكيت لقريبتي عليكي، طلبت مني اعزمك على فرح بنتها، في بلد قريبة مننا مش بعيدة، كام ساعة نفرح ونهني العروسة ونرجع تاني. 


سِكتت لثواني، وبعدها رديت عليها:


-وماله وهو في حد يكره الفرح، بس اشاور جوزي وارد عليكي. 


وقفت جارتي ومعاها قريبتها اللي اتكلمت وهي على باب البيت:


-بس متتأخريش يا جبرية، الفرح بعد ليلتين من النهاردة. 


ابتسمت وهزت لها راسي، واخر النهار جه جدك من الغيط وحكت له اللي حصل، استغرب من طلب الست، بس الله يرحمه كان راجل عاقل ورزين لما قالي:



-انتي شايفة ان دي حاجة هتبسطك؟


-ستات كتير رايحين يوجبوا، وكنت حابة اروح معاهم، بس لو مش موافق خلاص، كأني ماقولتش حاجة. 

بص لي وهو بيبتسم:


-لا روحي يا جبرية، بس بلاش تتأخري، والحمد لله البلد قريبة مش بعيدة. 


تاني يوم بلغت جارتي ان هروح معاهم، ويوم الفرح كالعادة غنيت والناس كلها كانت مبسوطة وفرحانة، ولما جينا مروحين.. لقيت ام العروسة قربت مني وسلمت عليا ومدت ايدها ناحيتي بشوال كبير:



-نورتينا يا جابرية، دي هدية عشان واجبك واللي عملتيه، ده جميل يتشال ع الراس، والهدية ماتتردش. 

خدت منها الشوال وفتحته، كان مليان رز، واكياس لحمة من بتاعت الفرح، ووانا ببص في الكيس كملت كلامها:

-دي اقل حاجة اقدمهالك، بعد اللي عملتيه في فرح بنتي. 



الاول رفضت اخد منها الشوال، بس مع تصميمها اخدته وشكرتها، ومن اليوم ده.. الستات كانوا بيدعوني لافراحهم، وانا بقى الحكاية عجبتني، وده بعد ما اتقلبت الهدية لاتفاق شغل وفلوس، جدك في الاول اعترض وكان متضايق، بس قدرت اقنعه ان دي شغلانة كويسة، ومافيهاش تعب.. وفضل الحال ماشي لحد ما في يوم ستك "فوزية" بعتت لي، الله يرحمها ماكنتش اختي الكبيرة وبس، دي كانت في مقام امي، روحت لها بيتها، وبعد ما وصلت دخلت لها اوضتها، كانت مشغولة في حاجة بتعملها، قربت منها وسلمت عليها، وبعد السلامات قالتلي:



-بقولك ايه يا جابرية، انا قاصداكي معايا في مشوار. 

-خير يا فوزية؟



-النهاردة صاحية تعبانة، ورجلي مش شايلاني، عاوزاكي تيجي معايا تساعديني، ساعة زمن ومش هنتأخر. 

-بس انتي عارفة انا مافهمش حاجة في شغلك. 

قاطعت ستي في كلامها :


-وهي ستي فوزية كانت بتشتغل ايه؟ 

عقدت ستي حواجبها باستغراب:



-معقولة!.. مافيش مرة حد جاب سيرتها قدامك ولا حتى ابوكي، ستك فوزية  كانت مغسلة اموات، هي اللي كانت بتغسل ستات البلد وتكفنهم.. واليوم اللي بعتت لي فيه، كانت عاوزاني اروح اساعدها في غُسل واحدة ماتت في بلد جنبنا، ما هي كانت الناس كلها تعرفها، ولما حاولت اقنعها اني مااعرفش حاجة في تغسيل الاموات، قدرت بكلامها تقنعني ان الامور هتمشي تمام، ف وافقتها وروحت معاها.. وبعد ما وصلنا بيت المتوفية ودخلتنا بنتها اوضتها، بدأت فوزية شغلها في تغسيل الست، وكل اللي كانت بتطلبه مني بعمله، لحد ما خلصنا تكفينها وخرجت بنت الست اللي ماتت بره الاوضة، وشوية ودخل كام راجل ومعاهم نعش الاموات، حطوها جوه النعش وخرجوا بيها بره عشان يصلوا عليها ويدفنوها، وخرجت معاهم انا وفوزية، وبدون مقدمات واسباب فضلت اصرخ، قرايب الست اللي ماتت استغربوا، بس انا استمريت في اللي بعمله لحد ما خلصوا كل حاجة ودفنوها، ورجعت انا واختي عشان تاخد حاجتها، وساعتها استنيتها بره مع الستات اللي قاعدين، بس من غير ما اسكت.. انا اتكلمت وقولت كلام يخلي الحجر يبكي، وقرايب الست اللي ماتت ركزوا في اللي بقوله، وصراخهم زاد اكتر ما كان. 



قاطعت ستي وسألتها:

-كنتي بتنوحي وتندبي يعني؟ 



-سميها زي ما تحبي، بنوح او بندب، المهم وقتها إن الجنازة اتقلبت، واللي كانت بتبكي مع نفسها بسبب كلامي.. كان هاين عليها تقوم تشق هدومها نصين من الحزن.. توقعت ان الحكاية دي هتخلص لحد هنا، بس ماحصلش.. اتكرر مرواحي مع اختي الجنازات اكتر من مرة، وبين يوم وليلة جمعت بين الفرح والحزن، الناس في البلد والبلاد اللي حوالينا كانت بتجيلي البيت عشان اغني في حنة بناتهم وافراحهم، وحتى في جنازاتهم واحزانهم.. بس عشان الفرح ليلته بتخلص ومنسية، والحزن هو اللي بيكلبش في القلوب، واتعرفت بنواحة الجنازات، واي حد كان يدور عليا، كان يسأل فين بيت "المعددة جبرية". 


-كنتي بتشتغلي معددة يا ستي؟ 


-ايوه يا زينب، ودي حاجة من زمن طويل، بس الناس نسيت زي ما كل حاجة بتتنسي، الا كام واحدة من الستات اللي في سني، هم اللي فاكرين كل حاجة، وفاكرين صوتي واللي كنت بقوله في اي جنازة بروحها. 


مدت ستي ايدها ومسكت جلابية سودة من اللي كانوا في السحارة او الصندوق، عيونها اتملت بالدموع وقالت بصوت مكتوم:


-دي هدومي اللي كنت بلبسها، الجلابية السودة اللي كان طرفها بيزحف ورايا ويشيل معاه تراب الارض وطينتها، لحد ما اوصل بيت الميت ولا الميتة، وبمجرد ما اخطي عتبة الباب، اصرخ بعلو حسي واقول "ياقبر تكون حنين ع اللي جواك، زينة الشباب ساب اهله وجه حداك".. واهل الميت يصرخوا على نواحي، واللطم وشق الهدوم وكل حاجة تخطر في بالك كانت بتحصل. 



وكل يوم كانت شهرة المعددة جابرية بتزيد، لدرجة إن كان في ناس بتجيلي من بلاد بعيدة، كنت في الوقت ده كبرت، وجدك فارقني وفارق دنيتنا، فكنت اوافق واروح.. كنت اقعد في بيت الميت سبع ليالي، وده كان معروف وقتها عند اصحاب الجنازة بالخميس الكبير، واوقات كنت بكمل لحد ما يخلص الخميس الصغير، وده بيكون 14 يوم بلياليهم، ١٤ يوم بفضلوا فيهم اهل الميت من الستات ناصبين العزا، واقعد انا وسطهم حاطة الطرحة السودة على راسي وافضل اعدد من غير ما تنزل من عيوني دمعة واحدة، ما هو ده شغلي، وانا غريبة لا اعرف الميت ولا حتى اهله، فكنت بسيب لهم الحزن والعياط على فراقه، وانا عليا اسخن الجنازة واحميها بنواحي. 



بس عارفة يا زينب، مافيش جنازة رجعت منها مرتاحة، حلم، لا، كابوس، حاجة كده شبه الشوكة اللي بتطلع من اللحم الحي، كنت بمجرد ما حط راسي على مخدتي، بشوفه.. واقف في ركن الاوضة بيبص لي بنظرات مخيفة، قلبي بيتخلع من مكانه، كان قصاده نار بيشاور عليها، النار كل شوية بتحمى وتزيد، وعارفة بيقيدها بأيه؟


-بأيه يا ستي؟ 


-بهدومي ولبسي اللي بلبسه وانا رايحة الجنازات، عشان اعدد ع الاموات.. الهدوم اللي قصادك جوه السحارة، وبرغم اللي كنت بشوفه كنت مكملة لإني شايفة ان ده شغل وباخد عليه اجر.. لحد ما حصل اللي قلب الموازين، في يوم صحيت على صوت حد بيصرخ، الصوت كان قريب من بيتي، لبست عبايتي وخرجت بره البيت عشان اعرف الصوت ده جاي منين، واول ما وقفت قصاد الباب لمحت ستات لابسين اسود، وقفتهم وسألت واحدة منهم:


-هي مين اللي كانت بتصرخ؟ 



-دي مرات ابو بدارة، الولية ياعيني بنتها اتخطفت منها في عز شبابها، ياحسرة قلبي عليها، كانت بنت بنوت وما كملتش ال 20 سنة. 

اتكلمت اللي كانت واقفة جنبها وهي بتنفي اللي قالته:



-بنتها ايه انتي كمان، لا، دي تبقى بنت جوزها اللي امها ماتت من سنين.

قاطعتها في الكلام وانا مبرقة لها:

-تقصدي مين؟.. البت "بدارة"؟



-ايوه هي بدارة، الله يرحمها ويسامحها. 


ولسه بكمل كلامي معاهم، لقيت اختي جاية ناحيتنا، وقفت معانا وهي وشها متغير على غير العادة واتكلمت وهي بتنهج:

-اكيد وصلك خبر موت بدارة، امها جتلي وطلبت مني اروح لهم البيت عشان اغسلها. 

بصوا ناحيتها الستات واستغربوا، وده نفس اللي حسيت بيه بعد ما سمعت كلام اختي:



-امها مين؟.. مش ام بدارة ماتت من سنين!

-اقصد مرات ابوها، دي الست يا عيني مفطورة من العياط، ما هي اتجوزت ابو بدارة من سنين، وبتعتبرها زي بنتها، وانا ما اقدرش اغسلها لوحدي، خصوصا بعد ماعرفت منها المصيبة اللي عملتها بدارة. 



برقت لها وسألتها:

-ايه اللي حصل؟.. البت ماتت وربنا يرحمها برحمته. 

-بس ماتت محروقة، ولعت في روحها وماحدش لحقها بعد ما نار الفرن مسكت في طرف جلابيتها، دي النار فضلت تاكل فيها لحد ما سلخت جلدها، جهزي نفسك عشان هتقعدي اول اسبوع في الجنازة. 



هزيت راسي بالموافقة، بس كان جوايا احساس بالقلق، احساس غريب لأول مرة احس بيه، خصوصا انه اتنزع من قلبي الخوف واتعودت على تغسيل الاموات وتكفينهم، بس المرة دي شعور مختلف عن كل مرة، الشعور فسره عقلي بالجملة اللي قالتها اختي، وهو ان البنت ماتت محروقة، ودي كانت اول مرة اغسل حد مات بالطريقة دي.. رتبت حالي وجهزت وروحت لأختى بيتها، كانت هي كمان مستنياني، وبعد وقت مش طويل وصلنا لبيت بدارة، البيت كان فيه سكون وهدوء غريب، ودي حاجة مش طبيعية بالنسبة لبيت فيه حد ميت، بس ما اهتمتش.. في كل الاحوال، بعد تكفين البنت انا هقوم بشغلي واخلي الدموع المحبوسة تتفتح شلالات، والاصوات المكتومة تطلع من الحناجر بصرخات تشق الأرض.



وواحنا في طريقنا للاوضة اللي فيها البنت، لمحت الركن اللي فيه الفرن، الرماد اللي خارج منه بياكد انه كان والع من فترة قريبة، وكان قصاده فردة شبشب صغيرة، واضح انها بتاعت بدارة واتقلعت منها وقت ما النار ولعت فيها، حسيت بقبضة في قلبي وكان سببها معروف.. "ياترى البنت دي حست بأيه لما النار وصلت لجلدها؟".. احساس صعب تخيله او وصفه، الوحيدة اللي تقدر توصفه هي بدارة نفسها.. وبدارة خلاص حل عليها سكون الموت وصمته، وده اقل وصف لمحته لما دخلت اوضتها، من اللي شوفته وقت دخولي، وقفت واتحجرت زي التمثال، لاحظت عليا اختي القلق ونظراتي اللي بوزعها في كل ركن بالأضة، فقربت مني وهمستلي:


-مالك يا جابرية؟.. واقفة كده ليه؟



يتبع


 الجزء التاني 




وواحنا في طريقنا للاوضة اللي فيها البنت، لمحت الركن اللي فيه الفرن، الرماد اللي خارج منه بياكد انه كان والع من فترة قريبة، وكان قصاده فردة شبشب صغيرة، واضح انها بتاعت بدارة واتقلعت منها وقت ما النار ولعت فيها، حسيت بقبضة في قلبي وكان سببها معروف.. "ياترى البنت دي حست بأيه لما النار وصلت لجلدها؟".. احساس صعب تخيله او وصفه، الوحيدة اللي تقدر توصفه هي بدارة نفسها.. وبدارة خلاص حل عليها سكون الموت وصمته، وده اقل وصف لمحته لما دخلت اوضتها، من اللي شوفته وقت دخولي، وقفت واتحجرت زي التمثال، لاحظت عليا اختي القلق ونظراتي اللي بوزعها في كل ركن بالأضة، فقربت مني وهمستلي:


-مالك يا جابرية؟.. واقفة كده ليه؟.. قربي عشان نلحق نخلص. 


هزيت راسي من غير ماانطق.. البت كانت نايمة على سريرها ومتغطية بملاية، وواقف جنب السرير اتنين ستات، كانوا بيبكوا بحرقة وهم بيبصوا لجثة البنت، في واحدة منهم اعرفها بحكم الجيرة، ودي تبقى خالة بدارة، قربت منها وعزيتها، مدت ايدها وشاورت على الست اللي واقفه وقالت وهي بتبكي:


-ام بدارة الله يرحمها. 


عرفت ان دي تبقى مرات ابوها وعزيتها هي كمان... وقتها لمحت في ركن في الاوضة سواد مغطي الحيطة، لاحظت ام بدارة اتجاه عيني واتكلمت بصوت مكتوم:


-المرحومة الله يسامحها، بعد ما ولعت في روحها عند الفرن، فضلت تجري هنا وهنا في البيت، لحد ما وقفت عند الزاوية دي وكانت بتصرخ، كنت بره البيت ودخلت على صراخها، ولما شوفت النار ماسكة فيها، صرخت وندهت على الجيران، وعلى ما اتجمعوا وجم.. كانت النار وصلت لشعر راسها ومابقاش في صوت خارج منها. 



قربت من بدارة عشان اجهزها للتغسيل، شيلت من على وشها الغطا، المنظر عملي حالة رهبة، العيون المقفولة بجفن طالته النار، والوش اللي لسه عليه مسحة جمال بنت خطفها الموت، والشعر المتقطع اللي النار زحفت لحد ما وصلت لفروته، كل دي حاجات خلوني نطقت بحزن وقولت بصوت مسموع " بالراحة عليها يا قبر دي بنت بنوت، عنقود عنب ع الحيط محطوط، العنقود راح والورق لسه موجود".. في اللحظة دي البنت فتحت عنيها، رجعت بضهري لورا واتخبطت في اختي اللي قالتلي وهي بتفوقني من الحالة اللي اتملكتني:



-في ايه يا جابرية؟.. ايه حكايتك النهارده؟! 



شاورت لها على بدارة عشان تبص ناحيتها، وفعلا عملت كده.. بس البنت كانت مغمضة عينها، ومافيش اي حاجة من اللي شوفتها حصلت!



استغربت اختي وكملت كلامها:


-يلا عشان نخلص قبل وقت الدفنة. 


وبدات اساعدها في تجهيز البنت للغُسل، وكنت كل وقت والتاني الاحظ انها بتفتح عينها، بس اللي واضح ان انا بس اللي كنت بشوف ده، وألا كان حد من اللي واقفين اتكلم وقال، بس مافيش اي حاجة.. الماية بتتدلق على جسمها اللي اتغير لونه، واحنا بنحاول على قد ما نقدر ما نأذيش جلدها اكتر ما هو مأذي، لحد ما خلصنا وسط صوت بكا اهلها وحزننا على البنت الجميلة اللي موتت نفسها بالطريقة دي. 


قاطعت ستي لما وصلت لحد هنا وقولتلها:


-طب وايه اللي خلاها تعمل كده في نفسها، ده حتى الروح عزيزة، وماحدش بيعمل كده غير اللي بايع روحه ومش فارق معاه اي حاجة.


ردت عليا بحزن:


-اللي عملته غلط، مانكرش.. بس اوقات وجع البدن بيهون قصاد كسرة النفس وضغط الاعصاب.. وده اللي عرفته من خالتها، بعد ما البنت اتكفنت بكفنها، شالوا الرجالة الكفن وخرجوا، وخرجت انا مع الستات وطبعا كنت اولهم بحكم شغلي.. وفضلت اصرخ واقول كلام يقطع القلب، لحد ما وصلنا المقابر ودفنوها، وبعدها رجعنا بيت بدارة، اتجمعوا الستات وقعدت وسطهم وقولت من غير دموع "يا قبر خليك حنين ع اللي جواك، دي فارقت اهلها وجت حداك".. والكلام والعديد اللي بقوله خلى الستات اللي قاعدين صراخهم زاد، وفضلت اقول كلام كتير يبكي الحجر لحد ما وقفني عن الكلام بنت قاعدة لوحدها على جنب، مميلة راسها على صدرها، ملامحها ماكانتش باينة بسبب الطرحة اللي مغطيهة بيها شعرها، واللي شد نظري ناحيتها.. سكونها في مكانها وحركتها الثابتة، كأنها لازقة في مكانها، فضلت مركزة للحظات معاها، لحد ما قطع سرحاني ايد بتتحط على كتفي، اتلفتت جنبي، كانت خالة بدارة:


-حزني على بنت اختي مخليني عاوزة اقوم احرق ابوها. 

استغربت من كلامها وسألتها:



-ليه؟.. والراجل ذنبه ايه؟ 

-ما هو السبب، انا حضرت الموضوع كله من اوله، بس ايدي ما كانتش طايلة اشيل عنها الاذى، هي استنجدت بيا بس سيبتها تواجه قدرها، وكان هو برضه السبب. 



كلامها شد انتباهي، والفضول سحبني اني اكمل اسئلة واسمع منها أجوبة تفهمني:

-مش فاهمة كلامك.



-من كام يوم جت لي بدارة البيت، استغربت لمجيها عندي لأنها مابتخرجش كتير، واللي زاد استغرابي إن البت وشها كان مخطوف وملامحها قلقانة، وقبل ما اسألها على اي حاجة عيطت وقالتلي:



-انا جيتلك يا خالتي عشان تنجديني من نار جهنم اللي عاوز يرميني فيها. 

ناولتها في ايدها كوباية ماية كانت جنبي، وبعد ما شربت وخدت نفسها سألتها:



-فهميني بالراحة، حصل ايه؟!

-عشية، بعد الضهر، رجع ابويا من الغيط عشان يتغدى، وبعد ما قعد خدت بالي انه بيهمس بكلام مع مراته، ما حطتش في بالي وقولت بيرغوا في حاجة تخصهم.. بس شوية وصوته على، وكان بيقولها:



-ايوه ما انا عارف، واحنا هنلاقي زيه فين عشان تقول ايوه ولا لا، وهي تطول.. ده صاحب قرش وراجل كله فلوس. 

ميلت ناحيته وطبطبت بكف ايدها على كتفه :

-الله يكرمك ويديك الصحة، يعني خلاص اكلمه يجي النهارده بعد العشا؟ 



-ايوه اومال ايه، ودي حاجة محتاجة كلام يا ولية، انا هستناه النهارده بالمشيئة. 

وخلص الكلام بينهم على كده يا خالتي، ومن بعد كلامهم وانا افكار كتير ركبت عقلي، كلها كانت في اتجاه واحد، انهم بيتكلموا على حاجة تخصني، والحاجة دي اكيد عريس متقدملي. 



قاطعت كلامها وفرحت بمجي عدلها:

-وماله يا روح خالتك، دي حاجة تفرح والستر مافيش احسن منه. 

ردت عليا بحزن وعيون مكسورة:


-ستر ايه بس اللي بتتكلمي عنه!.. قولي نكبة، قولي بلوة سودة واتحطت على دماغي، ده عريس الشوم اللي جاي عشان يطلبني للجواز، ما انا فضلت قاعدة مستنية حد منهم ييجي يتكلم معايا في حاجة، بس مافيش.. لحد ما بعد المغرب دخلت عليا مرات ابويا وقالتلي:



-اسمعي يا حبيبتي، في عريس ابن حلال جاي البيت بعد شوية، وهو مش غريب عننا، واكيد يعني مش همدح فيه لإنه اخويا، بس ان جيتي للحق، هو زينة رجالة البلد. 

قاطعتها في الكلام وانا مبرقة عيني:



-اخوها مين؟.. تقصدي "عبدالعال". 

-وهي عندها غيره يا خالتي، ايوه هو الحج عبدالعال. 

اتضايقت وقولتلها بزعيق:



-يادي المصيبة!.. ده في سن ابوكي ويمكن اكبر بكام سنة، ومال ايه اللي عنده؟.. ده بيشتغل تملي عند الخلق، يعني شغال بالأجرة ويادوب قرشه على قد لقمته، والناس كلها عارفة انه مقاطع الجواز بسبب ضيق الحال، ويوم ما يفكر ويقول يا جواز، ياخد واحدة من سن عياله اللي ماخلفهومش، وانتي قولتي ايه لمرات ابوكي؟ 



-المفاجاة شلت لساني، حسيت ان الدنيا بتلف بيا، لا بقيت شايفة قصادي ولا قادرة انطق بكلمة، ومرات ابويا خرجت من الاوضة على اساس إن سكوتي علامة رضايا، وبعد العشا جه ابويا ومعاه اخو مراته، انا عارفاه كويس.. بس المرة دي لما شوفته، كان مختلف عن كل مرة لمحته فيها.. راجل ضهره محني، العجز طير شعر راسه ووقع منه كام سنه في بوقه، كان بيبص لي بنظرات غريبة ومخيفة، اتكلموا كتير وضحكوا اكتر.. بس حالتي صابتني بالطرش، مابقتش سامعة غير اصوات ناس بتتكلم، اصوات جاية من بعيد، كأنهم بيحكوا في وادي وانا في وادي تاني خالص، لحد ما فوقت على صوت ابويا وهو بينده عليا:



-بدارة، بت يا بدارة.. قومي سلمي على عريسك قبل ما يمشي. 

وفي اللحظة دي حسيت اني بقع من على جبل، الم في جسمي وعضمي ووجع مايتحملوش بشر!.. قومت من مكاني ورجلي ماكانتش شايلاني، مديت ايدي وسلمت على ايد خشنة مليانة حفر وتجاعيد مرعبة، سحبت ايدي منه بسرعة وجريت، دخلت اوضتي.. وبعد دقايق دخل ابويا عشان يزف لي خبر التعاسة الابدية، وردي عليه خرج بالرفض ناحية عبدالعال.. وصرخت وانا بعيط وقولتله اني مش موافقة عليه. 



قاطعتها على امل ان انا اسمع اللي يبرد قلبي:

-وابوكي كان رده ايه؟ 

-هيكون ايه يا خالتي.. نزل فيا تلطيش وزعيق لحد ما كنت هموت في ايده. 



-طبعا ده الرد العادي، ماهو ما يقدرش يرفض حاجة لحبيبة القلب، وده مش اي حد.. ده اخوها الوحداني، مع ان كان عندي امل يحس على دمه ويشوف مصلحة بنته قبل اللي واكله عقله.. الله يرحمك ياختي. 



سكتنا للحظات، وفي الوقت ده لاحظت على بدارة شرود مش طبيعي، لمحتها بتفتح شفايفها عشان تتكلم بس بتتردد، فتقوم قفلاهم تاني، وكان الحل اني اسالها سبب شرودها وترددها في الكلام، بس سبق سؤالي خبط ع الباب، ومش اي خبط.. ده كأن في حد عاوز يكسره نصين، اتفزعت بدارة وهي قاعدة ولفت وشها ناحية الباب وقالت بخوف وقلق وهي ماسكة في دراعي:

-ماتفتحيش الباب يا خالتي، ده اكيد ابويا جه ورايا، ما انا خرجت من البيت هربانه، وماقولتش لحد اني جاية لك. 



بس وهي بتتكلم كان اللي بيخبط، بيزيد في خبطه، والناحية التانية بدارة جسمها كله بيترعش، ماكنش قصادي غير اني اروح افتح الباب، ولو كان ابوها اقف له وابعده عنها على قد ما اقدر.. هديتها وروحت فتحت الباب، وكان هو ابو بدارة، بس في صورة غول داخل ينهش اي حد هيقف قصاده، زق الباب بكل قوته ودخل البيت وهو بيزعق:

-واللي خلق الخلق، لولا انك حرمه واخت المرحومة لكنت كسرت عليكي الباب. 



مشي بخطوات سريعة ناحية بدارة اللي كان وشها اتغير لونه وشفايفها الوردي راحت منها الدموية، شدها من طرحتها وهو بيزعق فيها:

-وانتي ياقليلة الرباية، بتعرفي تخرجي من البيت من غير اذني وبتهربي وعاوزة تفضحيني؟! 



روحت ناحيته ومسكت ايده، كتت بحاول ابعده عن بدارة اللي بتعيط وبتصرخ، بس كان عامل زي الكلب السعران اللي بقاله ايام ماكلش، وفجأة قفش في حتة لحمة وبقى مستحيل يسيبها، ماقدرتش عليه يا جابرية، كان اقوى واشد مني ومنها، جرجرها من طرحتها وشعرها لحد ما رماها جوه كارته بيحمل عليها زرعه، وقالها وهو بيصرخ فيها:



-من غير حلفانات، بعد بكرة هيكون كتب كتابك على عبد العال.

روحت وراها بس مارضيش يدخلني عندها، قولت في بالي شوية وهيهدى وكلامه ده اتقال من ضيقته، بس مش ده اللي حصل.. بعدها وصلي اخبار من الناس، ان ابو بدارة بينصب صوان لفرح بنته، وعلى ما جهزت نفسي عشان اروح اخربها على دماغه، جالي خبر موت بدارة وقالوا لي انها حرقت نفسها في الفرن ليلة كتب كتابها. 




سكتت خالة بدارة عن الكلام، وكان بديل سكوتها دموعها اللي نزلت تجري من عيونها، وانا لاول مرة قلبي يوجعني على حد.. وبعد ما عدا اليوم والستات بداوا يمشوا ويرجعوا بيوتهم، جت ناحيتي مرات ابو بدارة عشان توريني الاوضة اللي هنام فيها، قومت معاها لحد ما وصلتني لنفس الاوضة اللي غسلنا فيها بدارة، مانكرش اني خوفت، بس قويت قلبي بجملة اللي مات مابيرجعش.. إنما مش دايما كلامنا بيطلع صح، احنا بمجرد ما اتقفل عليا باب الاوضة، الخوف والقلق ركبوني.. نمت على السرير وحاولت اهدى عشان انام، عدا وقت مش طويل، بعده حسيت بهزة في السرير جنبي، ما ادتش اهتمام، ومع عدم الاهتمام الهزة زادت، وبقى معاها صوت حد بيتنفس بصعوبة شديدة، كنت سامعه بوضوح، وده بسبب هدوء البيت والاوضة، واول ما لفيت وشي ورايا حسيت إن في حد نايم، ولو هوصف بالظبط اللي شوفته، كانت نفس جثة بدارة وهيئتها وقت ما دخلنا عليها عشان نغسلها، بس الصوت ما كنش خارج من الجثة اللي جنبي، كان جاي من مكان تاني.. جاي من واحدة قاعدة في ركن الاوضة، ركزت... كانت البنت قاعدة ومتغطية بالسواد ومش ظاهر منها حاجة، دافنة وشها بين رجليها، وشوية تتنفس بضيق وشوية تزوم وكأنها بتطلع في الروح، دقايق كأنهم سنين لحد ماقامت من مكانها، مشيت بخطوات بطيئة ناحية الباب، فتحت الباب من غير ما تبص ناحيتي وقالتلي "كفاية نواح عليا، انتي بتحرقيني وبتكوي جلدي".. 




وخرجت من الاوضة وقفلت الباب وراها، وفي نفس اللحظة اللي كان جنبي اختفى، جسمي كله اتنفض وبسرعة سحبت الغطا لحد وشي وغمضت عيني عشان اكمل اللي شوفته بس بأبشع الصور.. شوفت نفس البنت واقفة قصاد الفرن، بس ملامحها وضحت اكتر، كانت هي بدارة بصورتها وشكلها وواقف قصادها حد ملامحه مش واضحة، وكانوا بيتخانقوا وبيضربها، بس اللي واضح انه كان راجل. 


-اكيد ابوها مش كده؟


-اه اكيد وده كان تخميني برضه، فضلوا يتخانقوا ويضربها، لحد ما ميلت ناحية الفرن ومسكت بأيدها حطب والع نار، وفضلت تحدفه عليا، والحطب اللي يطولني يحرقني ويسيب لي علامات، كنت بحاول اصرخ، بس صوتي اتكتم وماكنش طالع مني.. وكل ما احاول اتكلم او ازعق، تحدف عليا الحطب الوالع، وفضلت كده لحد ما صحيت وانا ماسكة كف ايدي، كان في وجع وحرقان، فردته، كان جواه اثار حرق زي اللي شوفتيها من شوية، بس أثار النار اختفت لوحدها!.. حاولت اهدي اعصابي عشان اقدر اكمل الجنازة، واللي عملته اول يوم كررته، بس بتعب وارهاق وصوت بيطلع بالعافية، وكنت كل ما انوح واعدد المح نفس البنت قاعدة في ركن لوحدها، وييجي الليل نفس الكوابيس والاحلام، فقررت اني على تالت يوم من الجنازة ارجع بيتي، وطبعا ده كلام ماعجبش مرات ابو بدارة، ازاي امشي قبل ما تخلص الجنازة، وعشان اسكتها رجعت لها كل الفلوس اللي خدتها منها، ورجعت بيتي. 



-واكيد بعد كده ارتاحتي من اللي كنتي بتشوفيه ياستي؟! 

-ده اللي كنت مستنياه، بس مش ده اللي حصل، انا وسط حاجتي وهدومي اللي جيبتها معايا، جيبت الجلابية دي.



مسكت ستي الجلابية الخضرة المقطعه وكملت كلامها:

-مااعرفش جت وسط هدومي ازاي، دي جلابية بدارة اللي اتحرقت بيها، ما اهتمتش وقولت خليها لحد ما بكرة ادفنها، بس قبل ما ييجي عليا بكرة، شوفت في ليله اللي عمري ما هنساه.. مااعرفش كنت نايمة ولا صاحية، بحلم ولا حقيقة ولا بيتهيألي.. المهم اني سمعت خربشة على باب الاوضة، انتبهت وركزت نظري ناحيته، دقيقة والباب بدأ يتفتح، دخلت منه نفس البنت اللي هي بدارة، وشها نصه محروق وشعرها بيقع على الارض، قربت ناحيتي وقالتلي:



-ارجعي لأبويا وخليه يدور في دولابه ويشوف ايه اللي سيبتهوله جواه وماحدش لقاه، انا ماحرقتش روحي، خليه يسأل مراته ويقررها على اللي هيلاقيه مكتوب.


وفضلت تكرر جمله ماحرقتش روحي اكتر من مرة، بس انا لا روحت ولا جيت، وهي ماسابتنيش.. كل يوم في نص الليل تجيلي بنفس شكلها، وتكرر نفس كلامها، واخر ما زهقت وتعبت روحت لشيخ الجامع وحكتله، وساعتها الشيخ قالي:



-شيطان البت مش هيسيبك في حالك، لازم تسمعي اللي بتقولك عليه وتنفذيه، ولو انتي خايفة انا هروح معاكي وربنا المستعان. 



وده اللي حصل.. روحت انا والشيخ لابو بدارة وحكت له على اللي بشوفه، وقدرنا بالعافية نقنعه يدور في دولابه، وبعد ما روحنا معاه البيت وحسينا إن مراته مش موجوده، دخل اوضته وفتح دولابه وخرج كل اللي جواه، والمصيبة إنه لقى وسط هدوم مراته كيس قماش وجواه ورقة مكتوب فيها (مراتك بتخونك مع سعفان ياابا.. بس خوفت اقولك عشان هددتني انها هتموتني).. الراجل استغرب وبرق عينه وخاصة بعد ما شاف اللي جوة الكيس، في الوقت ده سمعنا خطوات جاية من الدور اللي فوق، صوت حد بيتكلم وبيضحك، فخرجنا من الاوضة عشان نشوف حاجة ماكانتش تخطر في بالنا، مرات ابو بدارة ونازل جنبها واحد، الوشوش اتبدلت والملامح بهتت، لحظة المفاجأة بتشل وتعمي، بس اللحظة اللي بعدها الشاطر اللي يلحق يهرب، والهروب كان عبارة عن محاولة فاشلة من الراجل اللي كان مع مراته، وده لأن وقتها سبقه ابو بدارة بخطوة ومسكه من جلابيته ورقده في الارض، والغريب بقى اللي قاله الراجل وهو بيتضرب:



-مراتك هي اللي بتسرب عيالك عند الجيران وسحبتني لبيتها وهي اللي غوتني عشان مابتطيقكش، وهي اللي ساعدتني في قتلها، والله انا ما قتلتها لوحدي. 



كلمة الحق يا زينب مابتحتاجش معاناة عشان تخرج على اللسان، ووقت ما بييجي اوانها بتتخلع من بين الضلوع ويسمعها طير الشجر ودواب الارض، وبعد ما قال الراجل اللي قاله او اللي زي ما سمعت اسمه "سعفان".. وقف ابو بدارة الضرب فيه، وجاب سكينة وهدده انه ينطق بكل حاجة والا هيخلص عليه، وقفت مراته مكانها بتترعش من الخوف، وبدأ سعفان يتكلم بصعوبة بسبب العلقة اللي خدها:



-زي ما سمعت، مراتك هي السبب.. ومن حظنا الاسود، او حظ بنتك الغلبانة انها شافتنا اكتر من مرة مع بعض، بس خافت تقولك وخافت من تهديد مراتك، ومراتك عشان تبعد بنتك عن البيت زقت اخوها عشان يتجوزها، ايوه.. اصلها طمنته وقالتله انك مش محتاج منه لا مهر ولا حاجة خالص، وليلة كتب كتابها اتخانقت بدارة مع مراتك لدرجة انها هددتها بالفضيحة، وده لو مابعدتش اخوها عنها، فبعتتلي مراتك وقت انشغالك، وجيت لها البيت من غير ما حد ياخد باله، ولما وصلت دخلنا اوضتها وبعود حطب من الفرن والع، مسكناها في ركن الاوضة وولعنا فيها، وده حصل بعد ما كبت عليها مراتك الجاز اللي كان في لمبة الحيط، انا ماليش ذنب، انا سمعت كلامها وبس، حاسب مراتك الاول. 



لف ابو بدارة وشه ناحية مراته، واستغل سعفان الفرصة وزحف بايده ورجله وجري بره البيت، في الوقت ده كان خرج الشيخ ورجع بعمدة البلد وغفره، وطلق ابو بدارة مراته وسلمها للعمدة هي وسعفان وراحوا النقطة ومنها للنيابة والمحكمة واتعدموا.. ومن اليوم ده بطلت اروح جنازات ولا اعدد على ميت، بقيت بخاف واقلق لو سمعت حد بيصرخ، وكل اللي بعمله اني بستغفر ربنا على كل فعل عملته، وكل وقت والتاني بتجيلي بدارة وهي واقفة جنب السحارة او الصندوق ده عشان تفكرني اني كنت في يوم من الأيام "المعددة جابرية".. وبطلت الشغلانة المهببة دي بسببها.


"تمت".. 



#محمد_شعبان_المخوفاتي

#العارف

#لمياء_الكاتب

#المعددة









تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-